أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 يوليو، 2017

ياراجويا .. ملحمة شعريَّة أوبراليَّة

مجلة الفنون المسرحية


ياراجويا ..  ملحمة شعريَّة أوبراليَّة

د. عزَّة القصَّابي *

نص ياراجويا للشاعر المسرحي عادل البطوسى دراما شعريَّة تنبثق من روح المرأة "يارا" الأنثى التي إنفردت بروح "إستثنائيَّة" تعبِّر عن معاناتها في الحياة التي رسمتها لها الأقدار، حتى أصبحت رمزاً لكل نساء الكون اللاتي قهرتهنَّ العاطفة والحب .. عبر رحلة البحث عن جماليَّات لا تنتهي، بدءً من الحب وانتهاءً بالحلم ..
وقف البطوسي" وقفةً تأمُّليَّةً وهو يرسم مفردات الرؤية البصريَّة ملتمساً من جسد المرأة "أيقونة شاعريَّة" باحثاً عن الجمال السرمدي بواسطة لغة الشعر التي تهفو إلى الإحساس بالجمال .. واستمرَّت تلك العاطفة التي ولَّدها الكاتب في شخوصه بغية الإستمرار والتواصل مع روح "يارا" التي لا تفترض أن هناك واقعاً صامداً يتمثَّل في الرجل "جويا" الذي تخلَّى عنها، والذي لم يمنحها فرصة لتكون أمَّاً، ليستمر ذلك التدفُّق "الإستثنائي" بشكلٍ جماليٍّ وروحانيٍّ يبحث عن مفردات أخرى ليصارع ذاته المنكسرة المهزومة، كما أن ظهور "التماثيل" على المسرح جعلت الشخصيَّة الرئيسيَّة تتماهي معها، باحثةً عن ذاتها تارة، وتحدِّثه وتناغيه تارةً أخرى، وتفتح صفحات ماضيها المجنون المقهور الذي هربت منه مراراً، إلا أنها كامرأةٍ لابد أن  يحاصرها وهمٌ إسمه "جويا" ذلك الرجل الذي ظلَّ يؤرِّقها ليصنع منها طائراً فينيقيَّاً، يشقُّ طريقه في اللازمان واللامكان عبر عالمه الإفتراضي الذي يتمثَّل في "يارا" نفسها .. 
وظلَّ الماضي يلاحق "يارا" متجسِّداً في شخص الرجل الذي لم يحترم أنوثتها وإنسانيَّتها، لذلك إغتال أحلامها كما أجهض جنينها الراقد بين أحشائها الثكلى، عندما حدَّثته عن وليدها ، فكأن أمه تحدِّثه عن ذاتها، وهناك إرتجاع إنساني يرجع الإنسان إلى ذاته وكينونته الأولى .. ظلت "يارا" الأنثى الجامحة في مشاعرها، الباحثة عن ذاتها ومشروع الحب الذي كان الرجل سبباً في  فشله، وسرقة أحلامها، وبدت معتوهه تكلم ذاتها، تمثالها، واقعها المتصدِّع ... تحاول البحث والوقوف ... ولكنها لا تقوى !.. فيما بدا الرجل "جويا" مسكونا  بوجع "العقم"  الذي لازمه الذي ظل سرَّاً مؤلماً يخفيه، وهرب من حبيبته "يارا"، وهرب عن والدته التي تأويه، كان إبناً عاقاً، وأصبح حبيباً معذَّباً يستبيح مشاعر عشيقاته اللاتي كن سيصبحن يوماً ما زوجاته، لذا حكم على ذاته بالعقم من العاطفة والحب والأبوَّة ... وكان عليه أن يسجد في محراب والدته ويبكي كثيراً ويتألَّم ويصرخ ويتمرَّد على ذاته التي لاحقتها الخطيئة منذ أن كان صبيَّاً .. وظلَّ يبكي ويبكي لعلَّه يتطهَّر يوماً ما .. معبِّراً عن ذاته في التماثيل التي ظلَّت صامدة رغم موبقات ماضيه البائس .. 
هكذا ظلَّت "ياراجويا" للشاعر المسرحي عادل البطوسى ملحمة شعريَّة جاءت أقرب إلى "الأوبرا الشعريَّة" التي بحثت  في ذات المرأة، حيث  الخصب، الحب، الجنون ... 


* ناقدة مسرحية ـ مسقط ـ سلطنة عمان

الاثنين، 17 يوليو، 2017

التحول من الماهيات الى الكيفيات تصفير السؤال الفلسفي

مجلة الفنون المسرحية

التحول من الماهيات الى الكيفيات تصفير السؤال الفلسفي

د . جبار جودي العُبُودي

انتقل الفكر تدريجياً من التأمل الكيفي الى التفكّر الكمي الرياضي عن طريق التحولات المعرفية الأساسية للعصر العلمي ، بأنتقال العلم من البحث في الماهيات والكيفيات والغائيات الى معالجة رياضية منهجية للطبيعة ، فثقافة الحداثة التقنية أضحت نقيضاً للمنظومة التقليدية للفكر ، إذ تصاعدت هذه الثقافة طردياً في الزمن وبشكل متناسق لعناصر الزمان والمكان تسودها قيم أخلاقية تقوم على التعدد والإنتشار والتسامح ، وتصبح فيها مكانة الفرد متسيدة عن طريق الإنجاز والإستحقاق بعيداً عن قيم الوراثة والإنتماء ، إذ ساد العقل كأساس للقيم العاملة في مضمار التقدم والتغيير والتحرر والتسيير الإجتماعي العقلاني تمجيداً لمستقبل جديد تنشده الإنسانية وتتوق اليه ، ولاتنشغل بالنظر الى الماضي ، فالعلم التقني الحديث حقق تغييرات بنيــوية فكرية كبيرة في كافة المجالات ، وغيّر من علاقة الإنسان بالطبيعة وبالكون الى حدود بعيدة ، وتوالت إرهاصات المفكرين والفلاسفة في اتجاه استشرافهم للتحولات الكبرى التي لاحت بوادرها عن طريق انتشار العلم التقني الحديث ، فما كان يبدو سابقاً سحرٌ وطلاسم أضحى مقدرةً وطاقةً متجددة على الدوام غيّرت وجه الإنسانية من بدائية الى أمم متحضرة بالإنجازات الإيجابية ، على الرغم من الإختلالات التي حدثت في الطبيعة ومن تسخير قوى الدول الكبرى المتقدمة علمياً وصناعياً لإمكاناتها في السيطرة والهيمنة على الشعوب الأدنى تطوراً ، فالعلم لم يعد اليوم ترفـــاً معرفياً بقـــــدر ماهو النموذج الأمثــــــل والأعلى لكل معـــــرفة ممكنة ، وربما أضحى العلــــم الذي قوامه الفكر الحاسب لا الفكـــــر المتأمل ، هو المتسيد في كل الثقافة الإنسانية وعلى مدى عصورها (1) .
ولايمكننا هنا مناقشة الفكر التقني الحداثوي دون الإشارة الى طروحات الفيلسوف الألماني هيدغــــــر الذي اعتبر التقــــــنية جوهر الحداثة والميتافيزيقيا جوهـــــر التقـــــنية إذ خصّ الحداثة بخمسة مميزات أساسية أو ظواهر ثقافية تمهر العصور الحديثة كلها بمهرها وخاتمها وهي (2):
1- العلم بإعتباره بحثاً دائباً واسقاطاً للتصورات القبلية على الطبيعة من أجل ادراك مفاتحها كمياً ورياضياً .
2- التقنية من حيث هي جوهر العلم ذاته .
3- دخول الفن في أفق علم الجمال ، أي تحوله من واقع انعكاسه لنظام العالم الى التعبير عن الذات الإنسانية المتمتعة بالذوق .
4- النظر الى الأفعال الإنسانية بأعتبارها نسقاً يمثل ثقافة وحضارة .
5- غياب المقدس وحضور التاريخ .
فهو يرى ان الحداثة عصر الميتافيزيقيا الذي يتحدد بموقفه الكائن وبتصوره للحقيقة ، وهو يفرد مكانة متميزة للتقنية ويعتبرها ماهية الحداثة ذاتها ، فالعلم الحديث في جوهره تقني أي انه خاضع للمتطلبات والمقتضيات النظرية والعملية للتقنية ، على ذلك فالعلم تقني في جوهره ، والتقنية اطار الحداثة إن لم تكن هي جوهر الحداثة نفسها ، فالتأمل في ماهية التقـــــنية يقودنا الى فهــم الحداثة من حيث أنها العنصر المحدد لها تحديداً كلياً ، إذ كانت التقنيات القديمة عبارة عن آلات وأدوات بسيطة في يد الإنسان يتحكم بها كيف يشاء ، لكن التقنية الحديثة بفضل قدراتها الهائلة والكبيرة أصبحت وكأنها خارجة عن سيطرة الإنسان وقدرته في التوجيه والتحكم بها ، لقد أصبحت التقنيات الحديثة مجموعة من المقدرات الضخمة التي تخضع لمنطقها الداخلي وتتطور بفعل حاجاتها هي لا كما يشتهي الإنسان ويريد ، بل انها تنفلت منه بشكل مستمر وربما تنقلب عليه ، فالتقنية – حسب هيدغر- ليست هي مجموعة الأشياء والإختراعات التقنية والآلات بقدر ماهي ذلك الموقف التقني ، انها موقف وميتافيزيقيا ، نمط لعلاقة الإنسان بالأشياء التي تحيطه ، ولاتطلق عبارة العصر التقني لأنه يحفل بالآلات وبالتقنيات بل لأن الأشكال التقنية تأخذ دلالاتها من الماهية التقنية للعصر(3) ، إذ يؤكد هيدغر دائماً على أن جوهر التقنية هو ميتافيــزيقيا ، إذ ان هذه الكينونة التقنية الميتافيزيقية شيء لايستطيع الإنسان التحكم فيه ، بل أصبح منبهراً أمام قوة التقدم التقني الذي يحاصره من كل جانب وكأنه شيء مستقل عنه ويتجاوز ارادته .
التكنولوجيا :
لقد بدأت الدراسات الجمالية التمييز والفصل بين شكلين من الإنتاج الإنساني يخص الموضوع الجمالي والموضوع الصناعي أي الإنتاج الفني والإنتاج الصناعي لأن الغاية من الأول هي اللذة الجمالية بينما تكون المنفعة هي خيار الإنتاج الثاني ، ومع التقدم والتتابع المستمر للتكنولوجيات المعاصرة بدأت الفروقات تضيق مابين ( الفني / الصناعي ) خاصة عندما ارتبطت الجمالية بالتكنولوجيا عن طريق المادة الفنية الوسيطة إذ أسهمت الوسائط الجديدة في تطوير قطاعات مهمة مثل الطباعة والإستنساخ للأعمال الفنية وشرائط الموسيقى والسينما ، وساهم ذلك في انتشار الأعمال الفنية بشكل واسع إستهلاكياً ، وقد أدى الى خوض مضمار النقاش والجدل بين فئتين احداهما يمثلها أدورنو الذي يجد في الندرة والتفرد الأساس للإنتاج الفني ، وثانيهما فالتر بنيامين الذي يجد في التكنولوجيا وسيلة لتعميم الإنتاج الفني على المجتمع (4).
تبعاً للعلاقة المستحدثة بين الفن والتكنولوجيا عند بنيامين فأن وظيفة الفن قد طرأ عليها تغييرات فبعدما كان الفن مرتبطاً بالدين والأيديولوجيا في العصور الماضية أصبح مرتبطاً بالسياسة وبمساعدة أجهزة الإتصال والنسخ الحديثة ، كذلك فأن طروحات أدورنو بشأن الندرة والهالة التي ينشدها للعمل الفني فأن فيها نتيجتين اثنين : الأولى سلبية لأنها تُحدث إفقاراً للتجربة ولايراها الا القلة القليلة بناءاً على التقاليد الفنية ، والثانية إيجابية لأنها تيسّر تسييس الثقافة ودمقرطتها ، لذلك فأن ظهور أشكال جديدة للفن يبيّن عدم تعارضه مع التكنولوجيا ولكن الفن نفسه كفكرة تاريخية كانت عرضة للتحولات ، لذلك نجد بنيامين يعرّف العمل الفني في ثنائية إذ يضمّنه قيمة سحرية وفي الوقت نفسه قيمة استعراضية (5) .
ان التطور الكبير الحاصل في مجال التكنولوجيا قد أثّر إيجاباً في الحقل المسرحي الى حدود كبيرة ، إذ مهّد الطريق لأكتشاف طرق وآلات وإمكانيات جديدة في التقديم الإبداعي والخلق الفني ، إضافة الى تحسين ظروف التلقي ، إذ أصبح بإمكان المُشاهد أن يرى العرض المسرحي في ظروف انسانية أفـضل في ظل الإمكانات والتجهيزات الحديثة للمسارح وعلى كافة الأصعـــــدة مثل الصوت والصورة والمسافة وبما يتوائم مع روح العصر (6) .
قام البعض من الباحثين بإدراج التقنيات التكنولوجية التي شهدتها المسارح في العصور الأولى من تطوره في خانة التقنيات السهلة والبسيطة ، أما ماجرى لاحقاً من تطور تكنولوجي في المسرح الحديث فهو من النوع المعقد ذي السرعة والإيقاع الشديدين ، حتى أنه أصبح من الصعب مواكبته ومجاراته من قبل المسارح الصغيرة والمتواضعة ، إذ أصبحت التكنولوجيا هي الأداة الرئيسية التي تستطيع تحقيق الأحلام الفنية والخيالات والرؤى التي يحلم بها المخرج المسرحي والسينوغراف ، إذ أصبحت التقنيات الحديثة في جوهرها تحقيقاً لخيالات ورؤى المسرحيين الأوائل ممن كانوا يسعون الى تجديد المسرح شكلاً ومضموناً (7) ، فالتكنولوجيا هي العصا السحرية الآن لما تستطيع تحقيقه من خلق عوالم سرمدية حلمية كانت خيالاتها تشابه السحر أحياناً ، إذ أن العامل الغالب في القرن العشرين هو نهضة التكنولوجيات الكبرى والراقية فقد كانت الفترة المبكرة من العلم الحديث مسبوقة ببداية الرحلات حول العالم واكتشاف العالم الجديد ، ونهضة العلم بوصفه معارف متميزة مصحوباً بعصر الآلة في الثورة الصناعية ، بينما يشاهد القرن العشرين العلم وقد أصبح علم تقنية ( Technoscience ) بشكل مكتمل ، حتى أصبح علم التقنية هو المحرك الذي يقـود التكنولوجيا الحـديثة ، ويطورها على نحو متميز عن أيــة تكــــنــــولوجيات تقـليدية أو قديمة (8) .
ان بوابة التطور التكنولوجي قد انفتحت على مصراعيها في المائة سنة الأخيرة من عمر العالم عبر العديد من العلماء والمفكرين الذين نذروا أنفسهم في سبيل تقدم البشرية الى مراحل علمية متقدمة ومن أجل فرض السيطرة المنهجية على الطبيعة وفك الشفرات والطلاسم الكونية ، ولقد كان غاليلو من أوائل الأوربيين ” الذي جعل العلم متجسداً تكنولوجياً ، وفي استخدامه للأدوات والآلات لإجراء التجارب ولم يكن غاليلو متأملاً يونانياً ولكنه كان نموذجاً حديثاً لعلم التقنية “(9) .
لقد دأب على تصميم واختراع آلات ومعدّات حديثة لقياس أبعاد الكون وكيفية تشكّل العالم ، وهذا لم يأتِ من فراغ وإنما بالتفكّر المستمر في أبعاد الطبيعة وأسرارها ومحاولة ترويض مدياتها التي كانت غامضة وعصية على الفهم ، وكل هذا جاء من الخيال الواسع المتأمل في الماهيات والمتحول من فعل التأمل الكيفي الى الجانب المنهجي والرياضي ، إذ يشير وايتهيد في كتابه العلم والعالم الحديث بأن ” السبب في كوننا على مستوى من الخيال الرائع لايرجع الى اننا لدينا خيال متوهج ، ولكن لأننا لدينا آلات جيدة ، والشيء الأكثر أهمية في العلم الذي حدث في الأربعين سنة الأخيرة هو التقدم في التصميم الآلي أو الأداتي “(10) ، وأصبح خيال العلماء والمفكرين مصحوباً بجودة مختراعاتهم مما أدى في المحصلة الى حصول البشرية على الرفاهية التكنولوجية التي تسببت بالسيطرة الكاملة على الكون والطبيعة الى مديات كبيرة .
هذا التقدم في التصميم وفي المستوى المتطور للآلات جاء بفعل التفكير الإنساني المتميز الذي يحاول السعي الدؤوب لأجل سعادة الإنسان بأستخدام المعرفة ، ولقد ابتدأ الإغريق ذلك الفعل من أجل تطوير آلات الحرب خاصتهم وأيضاً آلات وأدوات المسارح التي كانت على قدر كبير من الأهمية لديهم ، وهم لم يكونوا يتمتعون بمهارات تكنولوجية أو هندسية متطورة أو ضخمة إذ أنجزوا عدداً من المخترعات المرتبطة غالباً ، كما أسلفنا ، بالحرب وبالمسرح مثل آلات رفع الآلهة وخفضها وتطييرها في الفضاء ، وكانت غالباً معظم رؤاهم التكنولوجية مرتبطة بالإحساس الجمالي لديهم (11) .
لكن مايود المؤلف التأكيد عليه هو أن هنالك وللوهلة الأولى تقاطعاً فكرياً وعقلياً مابين التصورات الفلسفية عن التقنية وماتصدره هذه التقنية من هيمنة وسوء وسيطرة ومابين عظمة الإكتشافات التكنولوجية التي يسرت سبل الحياة الإنسانية بأتجاهات الرفاه والحضارة والمدنية ، ومن الممكن التوصل الى ان المخاوف التي طرحها البعض من الفلاسفة والمفكرين تجاه القدرات الكبرى للتقنية المهيمنة على عالم اليوم فيها جانبين أحدهما السلبي الذي يتمثّل في تصدّر مشاريع السيطرة والهيمنة التقنية على العالم وتسييره وفق مشيئة الدول الصناعية الكبرى ، بمعنى تصدير الحــــــــروب والكوارث والأزمات الإنسانية الى الشعــــــــــوب الأدنى تطوراً ، وهذا نوع جديد من الإستعمار يتمثــــــّـــل في السيطرة على اقتصاديات تلــــك الشعوب مثلاً والجانب الآخــــر هو الإيجابي الذي يتمثّل في الوجه المشرق للمخترعات التكنولوجية للتقنية التي أسهمت في تقدم مسيرة البشرية تجاه تفكيك أسرار الكون ومعرفته وتيسير سبل العيش فيه وتحقيق رفاهية المجتمعات الإنسانية ، إذ أسهمت التكنولوجيا المتطورة في اعلاء الجانب الفني للتقنيات المستخدمة في المسارح المختلفة في كل دول العالم ، إضافة لتطوير مختلف قطاعات الحياة الأخرى .

الهوامش:

(1) يُنظر : الحيدري : الحداثة ومابعد الحداثة ، مصدر سابق ، ص124 ومابعدها .
(2) يُنظر : محمد سبيلا : الحداثة ومابعد الحداثة ، مصدر سابق ، ص48 .
(3) يُنظر : المصدر السابق ، ص50 .
(4) يُنظر : جمال مفرج : استطيقا أدورنو أو الفن بوصفه نقداً ونضالاً ، في كتاب ثيودور أدورنو من النقد الى الإستطيقا ، مجموعة مؤلفين ، الرباط – الجزائر : ( دار الأمان – منشورات الإختلاف ) ، 2011 ، ص 106 .
(5) يُنظر : المصدر السابق ، ص 108 .
(6) يُنظر : فاضل الجاف : المسرح والتقنيات الحديثة ، شبكة المعلومات العالمية ( الأنترنت ) :
http// maakom.com/site/erticle/3448 ] [
(7) يُنظر : المصدر السابق .
(8) يُنظر : دون إد : مدخل الى فلسفة الكنولوجيا ، مصدر سابق ، ص 58 .
(9) المصدر السابق : ص68 .
(10) Alfred North Whitehead : Science and the Modern World ( NEWYORK ): Harperand Row , 1972 , P. 107 .
(11) يُنظر : دون إد : مدخل الى فلسفة التكنولوجيا ، مصدر سابق ، ص65 .

السبت، 15 يوليو، 2017

"هاملت".. روح نضرة تستهدف الشباب

مجلة الفنون المسرحية

"هاملت".. روح نضرة تستهدف الشباب

السبت، 8 يوليو، 2017

سوسيولوجيا السينما: الصورة والمجتمع

مجلة الفنون المسرحية

سوسيولوجيا السينما: الصورة والمجتمع


الصديق الصادقي العماري

تقديم
تعد السينما فنا من بين الفنون المختلفة والمتنوعة، التي خرجت من رحم المسرح بوصفه أبا لجميع الفنون، وقد عرف هذا الفن مجموعة من التحولات العميقة في مساره، بدأ من تجارب الأخوين لوميير كرائدي اختراع جهاز العرض السينمائي، مرورا بالسينما الصامتة خاصة مع شارلي شابلن، ثم المزج بين الصورة والصوت، فقد ″كانت المتغيرات التي حدثت للسينما في العالم منذ 1945 تغيرات تدريجية في معظمها، فلم يكن هناك حدث بعينه يمكن مقارنته بالانتقال السريع نحو الصوت الذي اجتاح العالم حوالي عام 1935‟ . وخلال هذه المحطات بلورت السينما نضجا على مستوى الممارسة والتنظير خاصة مع الموجة الجديدة الفرنسية .La nouvelle vague و ″قد يتبادر إلى الذهن أن السينما مجرد آلات تقنية لعرض الصورة، ولعب فنية تصلح لإيهام المتفرج وجعله يتماهى مع ما يشاهد من صور متحركة، معتقدا أن المشاهدة الفنية صورة تعكس الواقع بشكل محايد، تستثمر فيها رأسمالا ماديا وبشريا، وتستغل فيها أيضا آلات تكنولوجية متعددة كآلة العرض، وأجهزة التصوير، وما يرتبط بعملية إنتاج الفيلم كالإضاءة، والمونتاج، والميكساج....‟، كل هذا مهم و أساسي في العملية الفنية، غير أن هناك وجه أخر للسينما على اعتبار أن الفن السينمائي إنتاج ثقافي يتبلور داخل مجموعة من الظروف الاجتماعية، كما أنه فعل اجتماعي يتفاعل فيه ما هو سياسي واقتصادي وإيديولوجي، كذلك الرغبات الذاتية والطموحات الشخصية، إضافة إلى الوعي الجماعي، كما تتداخل فيه التشكلات المعرفية بالجمالية...
يستأثر الفن السابع باهتمام العديد من المهتمين والدارسين والباحثين والتقنيين.. وذلك نظرا لأهميته المتزايدة في توفير فرجة متميزة، ثم قوته على التوثيق بالصورة والصوت والحركة للحدث الاجتماعي والسياسي والفكري.. فالسينما أصبحت معملا لصنع الأحلام والأساطير. إن الحدث الاجتماعي تكتنفه عوامل تقنية وفكرية تؤثر في صنع الفيلم الذي يؤثر بدوره على الجماعة والمجتمع والفرد. فقد كان الفن–عامة- ولا يزال، مجالا يستطيع فيه المرء، بمعزل عن بقية العالم، أن ينظم حياته الروحية، وينغمس في لذات روحية ذات طابع خاص تماما. مما يدفعنا إلى طرح مجموعة من التساؤلات، نذكر من بينها: ما هي الإشكالات المحورية التي تطرحها السوسيولوجيا كعلم على السينما كفن؟ وما علاقة السوسيولوجيا بالسينما؟ وما هو المسار الذي قطعته سوسيولوجيا السينما لكي تصبح فرعا من فروع السوسيولوجيا؟ وهل يمكن التفكير في السينما من غير كونها فنا صرفا؟
سوسيولوجيا السينما: الإشكالية و التحديد
للتعبير المرئي أساس اجتماعي، فهو يحدد رؤية للمجتمع، لذلك يعتبر هذا التعبير ممارسة ثقافية، فالثقافة والمجتمع من المفاهيم الأساسية في العلوم الاجتماعية، والعلاقة وثيقة بين المفهومين نظريا وعمليا، فالثقافة لا توجد إلا بوجود مجتمع والمجتمع لا يقوم إلا بالثقافة. فهي التي تمد المجتمع بالأدوات والأساليب اللازمة لإصدار الحياة فيه . فالأسئلة التي تتعلق بالأسباب الموضوعية والذاتية الكامنة وراء تكون واستمرار وتغيير الإنتاج الثقافي، تجعلنا بصدد سوسيولوجيا الثقافة، لأنها ″تمكن علماء الاجتماع من معرفة مفاتيح التغير الاجتماعي، وسماته، أي استخدام الثقافة ككاشف للعلاقات الاجتماعية، وتغيراتها‟ ، ومن هذا المنطلق لا يجب أن ننظر إلى الثقافة كعملية تجريد للواقع، بل كسيرورة اجتماعية، وتفاعل بين الإنسان ومحيطه. فمفهوم الثقافة يتضمن كل ما يمكن أن يعلم عن طريق العلاقات الإنسانية المتداخلة، كما يتضمن اللغة والعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية جميعا .
فالثقافة تجبر الفرد على تجاوز الطبيعة وكل ما يميل إلى ما هو بيولوجي، من أجل بناء أنساق جديدة مادية ورمزية متكاملة تتجلى في كل ما يصنعه الإنسان في حياته العامة وكل ما ينتجه العمل من أشياء ملموسة، وكل ما يحصل عليه الناس عن طريق استخدام فنونهم التكنولوجية، كما تشمل من جهة أخرى مظاهر السلوك التي تتمثل في العادات والتقاليد، والتي تعبر عن المثل والقيم والأفكار والمعتقدات.
وتتجلى خصوصية الإبداع السينمائي في علاقته بالمجتمع، إذ لا يمكن فهم السينما أو تفسيرها معزولة عن المجتمع والعلاقات التي تربط بين المنتجين والمستهلكين لهذا الإبداع الثقافي، ومن هذا المنظور فإن كل إنتاج ثقافي كيفما كان يرتبط بهذا الشكل أو ذاك بالمجتمع ، مما يدفعنا للقول أن المساهمة السوسيولوجية التي تركز على العوامل الاجتماعية والثقافية عند دراسة المسائل الثقافية هي مساهمة فريدة من نوعها.
السينما تعكس المجتمع بكل تفاعلاته، وتحولاته، إذ ما ينطبق على الأدب على سبيل المثال ينطبق على السينما، التي أصبحت محور اهتمام بعض السوسيولوجين والأنثروبولوجين، وهذا الاهتمام نابع من اعتبار السينما حقلا خصبا يجمع الواقع بالخيال، كما يجمع التقنية بالأدب، والفكر بفنون الفرجة، باختصار تعكس السينما الواقع بكل تجلياته وتستعمل كل التعبيرات الفنية و الأدوات التقنية وطرق التواصل في كل معانيها، وكانت ولا تزال السينما في قلب المجتمع.
ومن السوسيولوجين الذين كانت لهم مساهمات في هذا المجال، نذكر الفرنسي Emanuel Ethis  الذي يرى أن السينما فن المشاركة «L’art de partage»، مادام هو الفن الأكثر شعبية في كل بلدان العالم، وهو بالإضافة إلى ذلك فن للشهادة، شهادة ثقافية بامتياز.  إن دراسة العلاقة بين السينما والمجتمع لا تتحدد فقط في ما تحمله السينما من مضامين اجتماعية، بل في خصوصياتها التي تتميز بطقس أساسي للفرجة الجماعية. والجماعة  «le groupe»تحضر من بداية ولادة الفيلم السينمائي إلى لحظة خروجه إلى القاعات، مرورا بمراحل الإنتاج والإخراج والمونتاج، والتحميض والتوزيع.....فما يميز الفيلم هو الطابع الجماعي. أما الخصوصية الثانية لفن السينما، هو ″فن تتفاعل فيه كل الفنون الأخرى كما تغذيه كل اللغات الناطقة منها وغير الناطقة، ومن غير المنطقي أن تكون السينما خارج المجتمع، إنها امتداد فاعل ومتفاعل مع كل مكونات الثقافة، امتداد في المسرح و التشكيل والموسيقى والتصوير والأداء التعبيري، والغناء وفي الكتابة الأدبية، امتداد في هندسة الصوت والصورة والضوء والعمران، في الاقتصاد والسياسة والقانون والتسويق، في التاريخ أيضا والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع و الأنثروبولوجيا، لذلك يجب الكف عن اعتبارها وسيلة للتسلية الشعبية‟ .
كما اعتبرت آن ماري لوران  Anne Marie Laurran   أن السينما كتعبير ثقافي تتخذ من الصورة وسيلة أساسية لإبراز مجموعة من التمثلات حول الواقع، كوثيقة سوسيوثقافية تعتمد الرصد البصري في تتبع الظواهر الاجتماعية والثقافية، وكوسيط لا محيد عنه في التأثير على الجمهور. إن علاقة السينما بالمجتمع تتحدد من خلال عدة مستويات ; أولا مستوى الإنتاج الجماعي والذي يحدده بيير سورلان هكذا ″ جماعة من الناس تشتغل على منتوج معين (فيلم) ، وعندما نقول منتوجا لا بد من إدماج كل من يساهم فيه من قريب أو بعيد، مما يعطي لهذا المنتوج الصفة الجماعية. ثانيا مستوى التعبير الفني والثقافي، والذي يتحدد من خلال وضع مجموعة من الآلات  في خدمة فكرة أو أفكار معينة تنهل مضمونها من المجتمع وتستند إلى مهارة المخرج ودوره التنسيقي في الربط بين الصورة والواقع ، ثالثا مستوى التأثير الجماهيري الذي يتحدد في قدرة السينما على التأثير على مختلف شرائح المجتمع، وهنا يصح تسمية السينما فنا جماهيريا بامتياز لأنها توظف سلسلة من المؤثرات لجعل المتفرج مستهلكا، وتحويل حاجته للفرجة، إلى رغبة خاضعة دوما لسحر الصورةimage والخيال imagination ، وأخيرا مستوى الشهادة، وفي هذه الحالة ″ تصلح الأفلام كوجهات نظر حول حقبة معينة وكشهادات حول ذهنية معينة ،  هذا النوع الذي يتخذ معيارا أساسيا للربط بين السينما والمجتمع، خاصة و أن سوسيولوجين سابقين اتخذوا من السينما مؤشرا واضحا للتأكيد على التحولات الاجتماعية والثقافية . إن الشهادة لا يمكن أن نقول أنها مقصودة، كفعل ثقافي كما يتجلى في الأفلام الوثائقية، بل في كثير من الأحيان لا يمكن الانتباه إليها إلا حين تصبح تراكما ملموسا وملاحظا.
السينما والسوسيولوجيا: أي علاقة؟
الفيلم السينمائي وثيقة اجتماعية مهمة تساهم في رسم قوانين حركة وديناميكية المجتمع وفهم طبيعة العلاقة الجدلية بين الإنسان والمجتمع. فالفيلم لم يعد يضع وجها لوجه ظواهر عالم متجانس من الموضوعات، بل عناصر من الواقع غير متجانسة تماما؛ خاصة وأن ميكانيزمات الهوية الاجتماعية قد أصبحت تتحدد بشكل متسرع: كل علامة أو أي عنصر يدخل في تشكيل الصورة، يحمل معه قوة مؤلمة وحقيقية للحقيقة الراهنة .  إن السوسيولوجيا كعلم ينقل الواقع ويفسر الظاهرة الاجتماعية بالعودة إلى دراسة أسبابها ونتائجها؛ لا تعدو أن تتقاطع مع الوثيقة الفيلمية بصفتها تؤسس لخطاب يكشف الواقع ويعريه. إن الصورة تؤسس علاقة بصرية مع الواقع مع احترام الأماكن والأحداث والأشخاص. 
إن السينما كتعبير اجتماعي، قادرة عموما على تناول المواضيع التي تعبر عن حاجات واهتمامات الناس، سواء بشكل واقعي أو تخيلي. فالسينما فن جماهير إلى أبعد حد، بمعنى أنها قادرة على الاتصال بالجماهير، قادرة على أن تتحدث بلغتهم، قادرة على أن تنقل الواقع إليهم. السينما أيضا محصلة الفنون جميعها، بعناصرها من صوت وصورة، من الكلمة والموسيقى. قادرة أيضا على تبسيط الأمور . وبما أن الصورة السينمائية لا توثق إلا الأشياء المحسوسة والمجسدة فإنها تظل واقعية، والواقع هو ما تتطرق إليه السوسيولوجيا كعلم يهتم بتحليل الوقائع الاجتماعية ودراستها. إن السينما هي ظاهرة معقدة لم تدرك أهميتها في حياتنا إلا بشكل تطوري ، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أهمية السينما في حياة الشعوب. فقد أصبحت تلعب دورا لا يمكن إغفاله لأنها تؤمن الحفاظ على جودة صورة ما ونشرها، ثم تساعد على نشر الثقافة، وتبرهن على الاختلاف والأصالة بالنسبة للبلد المنتج.
السينما وسيلة مثلى لتقديم صورة مجتمع ما لدى مجتمعات أخرى. فالفعل السينمائي هو قبل كل شيء فعل اقتصادي وثقافي. ولعل هذا هو السبب في تسابق العديد من دول العالم إلى النهوض بهذا القطاع، لأن الجميع قد أدرك الأهمية القصوى للصورة في العصر الذي نعيشه، فهو من جهة يصدر قيمة عبرها، وتذر أموالا طائلة، والمثال الملموس الذي لا يحتاج إلى تعليق هو نموذج الصورة الأمريكية، فعائداته تعد بملايير الدولارات، وكمثال على ذلك، ما وصل إليه فيلم "Titanic"  للمخرج جيمس كاميرون. إن الشعب الذي لم يصنع صورا عن ذاته محكوم عليه بالانقراض، فالصورة نوع من التأريخ للسيرورة الاجتماعية في واقعها اليومي، لأن التاريخ الاجتماعي للشعوب يسجل من خلال أعمال و إنجازات أفراد هذه الشعوب.
فعندما تخلت السينما العربية مثلا عن معانقة مشاكل الشارع العربي نظرا لتضييق الخناق عليها، كان الجميع يستنكر ذلك، ″إن تلك المرحلة من مسيرة السينما العربية، تميزت بانعدام الالتزام الاجتماعي والسياسي على مستوى الجماهير، مثلما كانت خاضعة للضغوط والعراقيل الاستعمارية والرجعية. إذا كانت السينما قد عجزت في التعبير عن الواقع الحقيقي المحلي لأقطارها، فإنه لم يكن من المتوقع أن تعبر عن الهم القومي الأكبر المتمثل في الصراع العربي-الصهيوني‟ .
فالسينما مطالبة بأن تكون في قلب الأحداث رغم كل شيء. فهي وسيلة تعبير جماهيرية يجب أن تنبع أساسا من نظام الإنتاج والتوزيع والعرض ومن غياب الحريات الديمقراطية على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي، وتنتج أيضا عن الوضع الثقافي لغالبية الجمهور وخواصه النفسية وتعوده على السينما السائدة وتأثره بها، كما يتشكل ذوقه ومفاهيمه بالاستناد إليها. وبما أن السوسيولوجيا علم ينصهر بالمجتمع وقضاياه، فعالم الاجتماع المهتم بالصورة السينمائية يجب أن يكشف التشكلات الرمزية والظاهرة لأية صورة. ففي الدول العربية أو في دول العالم الثالث، نحن نخاف –كما يقول محمد المعنوني- أن نظهر صورتنا الحقيقية ونعرضها أمام الناس، لقد شكلنا لأنفسنا صورة بعيدة عن الصورة الحقيقية التي نعيشها، وانطلاقا من الخوف، فإن معظم المخرجين يلاقون صعوبات من خلال ممارسة عملهم . والسينما أمام هذا الواقع مطالبة بأن تكون في قلب الأحداث ليس بالأسلوب التوثيقي والتسجيلي فقط، بل بجميع أساليبها المعروفة. خاصة وأن كل نظرة تقدم حالة معينة، شرطا اجتماعيا، مسار حياة، هيئة وتصرف إنسان يقدم نفسه. إن الحقائق والأحداث التي يصورها الفيلم السينمائي لها فائدتها في النهوض بالمجتمع وكشف عيوبه، فهي تساعد على إرساء خطط التنمية الاجتماعية التي ترمي إلى تغيير بنى المجتمع أو تقويضها نظرا لعدم مسايرتها للعصر مثلا لذلك. فالسينما لا يجب أن تتماطل عن دورها وأن تكون خارج دائرة الصراع الاجتماعي، وإن تنقل هموم جميع الفئات. 
لقد وقع الناس في خطأ الاعتقاد بأن الفن الذي يصور حياة البسطاء يستهدف أيضا البسطاء من الناس، على حين أن الحقيقة هي عكس ذلك، والذي يحدث عادة هو أن فئات المجتمع ذات الأفكار والمشاعر المحافظة هي وحدها التي تبحث في الفن عن صورة لطريقتها الخاصة في الحياة، وعن تصوير لبيئتها الاجتماعية الخاصة. أما الطبقات المضطهدة الساعية إلى النهوض، فإنها تود أن ترى تصويرا لأوضاع الحياة تود هي ذاتها أن تتخذ منها مثلا أعلى تستهدفه، لا لنفس الأوضاع التي تود التخلص منها . السينما تلعب دورا مهما للحفاظ على وحدة وترابط المجتمع الواحد ذي العالم المتعدد الأعراق والإثنيات والثقافات لكي يظل دائما موحدا. إن السوسيولوجي مطالب هنا بالتكيف منهجيا مع الموضوع، حيث يتوجب عليه –ونفس الشيء بالنسبة للمهتم بالأخلاق- بأن يتعلق بالدلالة العميقة للمنهج.  إن مساءلة السينما لتحديد ملامح المجتمع تظهر لنا من الوسائل الحديثة جدا، وذلك احتسابا لغنى الصورة وتعدد دلالاتها. فالسينما فضلا عن كونها أداة تواصل، فهي الوسيلة الناجعة التي تتيح للوعي الجمعي التعبير عن طريق مناهج الثقافة ، وتمرير خرافاته بإلحاح إلى جميع الحضارات.
إن علماء الاجتماع يتوفرون على إمكانية تدارس السيرورة السينمائية للواقع. الدراسة السوسيولوجية العملية تشخص حالة السوق السينمائية وتتدخل في دراسة الممارسة والتسيير السينمائي وتوزيع الأفلام ونوعيتها والجمهور، مما يعوض الخطط القديمة ومبادئها التي تعتمد على الموضوع والتي تجعل كاتب السيناريو والمخرج يتكلفان بإبداع فيلم حول موضوع جاهز ومعطى لأنه ببساطة "قد جال برأس" أحد البيروقراطيين .
إن بحث الجمالية في السينما أو في أي مجال فني آخر –بالنسبة لعالم الاجتماع- يحتم النظر إلى الظاهرة الفنية على أنها وليدة حضارة وتاريخ معينين، تطبع بطابع اجتماعي وتاريخي محدد في كل فترة أو عصر، وهي بذلك تعتبر تلخيصا مركزا لقيم ثقافية فكرية وأخلاقية محددة، فالفن إبداع بشري يتفجر من خلال تفاعل البشر مع الطبيعة، وتفاعلهم فيما بينهم سواء في إطار ثقافة واحدة أو في إطار تفاعل ثقافات متعددة ومختلفة . إن الفعل السينمائي هو وليد النبضة الاجتماعية، يتأثر بالمجتمع ويؤثر فيه في قالب جدلي تكاملي وتبادلي. فالسينمائي لا يصور إلا ما هو كائن –إذا استثنينا أفلام الخيال والمؤثرات الخاصة- ولا يبتكر شيئا على الإطلاق، فالحقيقة أمامه، ويجب أن يتبعها كما هي في العالم، مثلا: العصفور الذي يغرد في الخامسة صباحا سيكون هو نفسه وليس واحدا آخر في الصورة . إن الحقيقة تؤكد قوتها الخاصة في الصورة عندما تأتي لتنقص من أهمية الحبكة الدرامية أو يتداخل عمل الكاميرا بالواقع. قد نقول بأن الواقع، أو بالأحرى الواقع الاجتماعي بصفته يشتغل كحقل بصري، يصبح مكانا للمرجعيات، لكن أيضا لتدخلات عديدة، أي عبارة عن مكان تتصادم فيه مجموعة تجارب فردية وعائلية، محركا لمجموعات مهمة وكاملة، منظمة بصفة مؤقتة أو العكس ، إذ يقول "سورلين بيير" في هذا الصدد : تتيح السينما إمكانية التمييز بين المرئي واللامرئي، وعبر ذلك إعادة التعرف على الحدود الإيديولوجية والتمثل خلال فترة معينة. أو عكس ذلك، فالسينما تكشف ما يمكن أن نسميه "نقط التأمل"، أي الأسئلة: الآمال والآلام .
إن سوسيولوجيا السينما تضم دراسة الفعل السينمائي (البنية التحتية والجمهور) والفعل الفيلمي، مع افتراض التحليل الاجتماعي للمنتوجات السينمائية. فسوسيولوجيا السينما تفترض أيضا تحديد الفاعلين والمساهمين وذلك من خلال الجهد المبذول لمعرفة العلاقات الاجتماعية. إنها تتطلع إلى تأسيس علاقات التآلف بين المنتوجات الفيلمية وبيئاتها السوسيو-اقتصادية .
لقد حاولت السوسيولوجيا منذ ظهورها الانفتاح على كافة المجالات والحقول الفكرية والعلمية والأدبية والفنية فأصبحت لها فروع ثابتة أثرَتِ الساحة العلمية بمجموعة من البحوث القيمة في بعض المجالات، ومن بينها السينما، حيث أصبحنا نقرأ ونطالع كتبا ومقالات وأبحاث تتناول سوسيولوجيا السينما كفرع من فروع السوسيولوجيا. هذه المراجع يتطرق أصحابها إلى العلاقة الكائنة بين علم الاجتماع والفن السابع، لكن ما نريد التركيز عليه وفصل المقال فيه، هو أن سوسيولوجيا الفيلم تختلف عن سوسيولوجيا السينما، أي من حيث دراسة الجماهير، فهي تبحث في المنتوج السينمائي عن الحالات الأكثر انتشارا (السائدة) في العلاقات بين الأفراد . إذا كانت سوسيولوجيا السينما بدراستها لمختلف حقول المهن السينمائية تأخذ بعين الاعتبار البنيات والتمثلات الاجتماعية التي تشكل الإطار الصعب، واضعة بذلك حدا فاصلا لـ"ممكنات" الإبداع السينمائي؛ فإن التحليل الاجتماعي للأفلام يتيح مساءلة الصور السينمائية التي تشوه الإطار البديهي، وتزيل الحجاب عن بنية المتخيل والنمطيات والتطابقات الخاطئة.. إن الفيلم هو قبل كل شيء إخراج اجتماعي، عرض لعالم، والصورة الفيلمية تفهم كانعكاس لغياب ما. إن الصورة هي حضور معاش وغياب واقعي، إنها حضور وغياب . من هنا يمكننا أن نستشف العلاقة الكائنة بين السوسيولوجيا والسينما، والفروق الموجودة بين فروع سوسيولوجيا السينما، خاصة ما تعلق بسوسيولوجيا الفيلم وسوسيولوجيا السينما عامة.
إن الواقعية قد ساهمت في إنماء السوسيولوجيا كعلم يبحث في الواقع ويتخذ منه مختبرا لفرضياته واستخراج تنظيراته وتطوير مناهجه. مثلا، لقد بدأت عدة عناصر تظهر للوجود عند المدرسة الإيطالية الشابة في فترة التحرر: الرجال، التقنيات، الامتدادات الجمالية. لكن الوضعية التاريخية والاجتماعية والاقتصادية قد سبقت فجأة الأطروحة التي جمعت عدة عناصر أصيلة . فالواقعية هي كل شكل للإبداع ينظر إلى إعادة إنتاج الحقيقة، إلى التعبير عن نظرة وفية للواقع.. في السينما، الواقعية هي منهج إيديولوجي مشروط بوسائل تقنية ومالية خلال لحظة تاريخية معطاة . انطلاقا من ذلك نستطيع القول بأن الواقعية مرتبطة بزمان محدد وتتطلب إمكانيات معينة. ففي المغرب العربي، ارتبط ظهور الواقعية في السينما المغاربية بأواخر الستينيات في فترة عرفت بنهوض كبير لحركات التحرر العربية والعالمية؛ ودفعت هذه الوضعية إلى تغذية الروح الوطنية لدى المثقفين ومن بينهم الفنانين الذين جعلوا من الواقع الاجتماعي والسياسي مجالا يستمدون منه مواضيع إنتاجاتهم.
الفن من الصنعة إلى المجتمع
الفن جزء من الثقافة فهو يمثل الجانب الخاص بعمل الإنسان في مقابل الجانب الذي يرتبط بالطبيعة ، ومن هذا المنطلق يتشكل الفن من الممارسة الإبداعية للإنسان، كما أشار إلى ذلك ″أندري جيدا‟ إن الشيء الوحيد غير الطبيعي في العالم هو العمل الفني . فإن للفن قواعده وضوابطه كما أن للطبيعة قوانينها، فهو ″استخدام خاص للمهارات والخيال في إبداع و إنتاج موضوعات وبيئات وخيرات يشترك فيها الفنان مع الآخرين الذين يشتركون بدورهم فيها مع بعضهم البعض‟ ، فآثار الفن انبثقت من المجتمع وفق سيرورة واتخذت في البداية من الطبيعة منطلقها الأول، فلا يمكن الحديث عن الفن دون الرجوع إلى بدايته الأولى وعلاقته بالطبيعة، إذ كان العمل الفني مرتبط بالصناعة أو المعرفة العملية، مما يدفعنا إلى الوقوف على أصل الكلمة في القاموس الفرنسي الذي يحيل على الجذر اللاتيني ARS الذي يعني الصناعة، والجذر اليوناني الذي يعني التقنية . 
إن قيمة الممارسة الإبداعية الفنية تتمثل في كون الفنان يدرك تماما أن ″فنه مسجل في مجتمع ومرحلة محددين‟ . فالفنان لا يقتصر على استعمال واستخدام المهارة الفنية التي يتمتع بها بل ينفتح على قدرات واستعدادات خاصة تتعلق بالخيال. لذلك يعتبر العمل الفني أثرا لارتباطه بالتأمل والخيال والجمال، لذلك يضم العمل الفني ″ فوق جانبه الشيء جانبا آخر أيضا، هذا الآخر القائم في الأثر هو ما يشكل جانبه الفني. من المؤكد أن الأثر الفني هو شيء تم صنعه، إلا أنه يقول كذلك أمرا آخر بالمقارنة بما هو مجرد شيء، إن الأثر يعرف علنا بآخر، إنه يظهر آخرا إنه تمثيل‟ . مع هايدغر يتجلى الوجه الآخر للعمل الفني في الأثر من حيث أنه تمثيل، وبذا تطرح مسألة الممارسة الإبداعية في العمل الفني، أي أنه لا يعيد إنتاج الواقع ، بمعنى المحاكاة، ولا يستحضر العمل الفني بمعنى الذاكرة بالمعنى الحصري للكلمة، بل إنه يستحضر ما هو غير ظاهر وما هو غير موجود، كما أشرنا إلى ذلك في حديثه، يستحضره كآخر أو كدلالة رمزية وهو الذي يعطي للعملية الفنية خاصيتها الأصيلة، الأمر الذي أشار إليه الفيلسوف الألماني هيغل بقوله : ″ لو أردنا تحديد هدف نهائي للفن، فإنه لن يكون غير الكشف عن الحقيقة، وعن التمثيل بشكل ملموس ومصور لما يتحرك في الروح الإنسانية .
الفن كي يكون عملا فنيا عليه أن يسعى إلى الكشف عن الحقيقة وذلك عبر الانتقال من التعبير عن الأشياء إلى التعبير عن الإنسان وحاجاته ورغباته.
السوسيولوجيا و التقييم الإيديولوجي للسينما
العرض السينمائي يستند إلى الجانب المرئي أي ما نشاهده على الشاشات، بالاعتماد على تقنيات خاصة تصنعها ألة التصوير، بتوجيه من شخص هو المخرج الذي يحدد الحقل المرئي و ما يعتبره خارج هذا الحقل، وبالرغم من تحكم المخرج في عمليات العرض السينمائي فإن ما نسميه رؤية ومرئي لا يرتبط بشخص واحد بل بمجموعة من الأشخاص أو مهام ووظائف تعمل على صناعة العرض السينمائي. ومن هذا المنطلق نتحدث عن مجموعة من الأشخاص تتكامل وظيفيا من أجل إنتاج منتوج واحد هو الفيلم، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الطابع الذاتي والجانب الخيالي المجرد في العمليات الإبداعية السينمائية و التأكيد على الطابع الاجتماعي الذي يستمد منه المبدع أشكاله الثقافية، ″فالعرض السينمائي من هذا المنطلق هو تمثيل Représentation جماعي، وفي نفس الوقت تحليل للمجتمع بالصيغة التي اقترحها السوسيولوجي الألماني kracauer الذي اعتبر أن السينما تعكس بصورة واضحة المجتمع‟ .
السينما تعتبر عرضا اجتماعيا وفي الوقت نفسه آلة لإنتاج المعاني و القيم و الأفكار، لأنها تمثيل كل ما يتعلق بالمجتمع، كما تحمل تمثل الفاعلين الذين ينتجون الفيلم من كتاب و فنانين وتجار ومهنين...، فالسينما لا تعتبر فقط فنا على سبيل الحصر، بل فن للمتعة وإنتاج الربح و إنتاج و إعادة إنتاج القيم، كذلك تعتبر وسيط بين جهة أو جهات معينة وجمهور، الأول كمرسل و الثاني كمرسل إليه، وهنا تحضر العملية التواصلية والتفاعلية للسينما. إذن هل يمكن أن نفهم السينما خارج ما هو إيديولوجي؟ فماهي الأدوار التي يمكن للسينما أن تلعبها خارج ما هو فني صرف؟
من الواجب علينا  أن نكشف عن الرهانات المرتبطة بالسينما، وأن نحدد الأدوار التي تلعبها لا باعتبارها فنا صرفا، بل مجموعة من القيم والرؤى المرتبطة بمصالح و قوى داخل المجتمع ، وذلك لأن صناعة الفيلم تتطلب رساميل مهمة، لا يمكن للسينما إلا ان تكون متأثرة بالضغوطات والتعسفات الاجتماعية ولحاجات المجتمعات وللضغط الإيديولوجي أيضا، فالأيديولوجيا كحقل يتضمن مصالح ومنافع وقوى متصارعة ومتضاربة... مرتبط بالسينما، فلا يمكن تجاوز هذه الأمر داخل ثقافة مليئة بكل ما يخصب تطلعات الأفراد والطبقات والسلطة داخل حقل مرئي ينمو ويتسع بشكل مثير والذي أصبح اليوم يغزو العالم بسرعة كبيرة بفضل انتشاره وسهولة الإقبال عليه، كما أن هذا الحقل المرئي يغذي الذاكرة الجماعية، وقد ساعده على ذلك امتداده في الزمان والمكان بفضل التقنية المذهلة التي عرفت انتشارا وتطورا كبيرا.
يقول بييرسورلان ″لا تكشف الشاشة العالم كما هو، بل كما يتم تجزيئه، وفهمه في مرحلة معينة‟ ، وفي هذا الإطار يأتي دور الكاميرا التي تلتقط ما هو مهم وتستبعد ما هو ثانوي، مما يجعلنا نعتبر أن الكاميرا غير محايدة، فهي تصنع المرئي حسب نسق و آفاق تخضع لتصور واتجاه معين للفضاء المرئي، كذلك أنها غير ثابتة ولا تتحرك لوحدها، بل موجهة من طرف عين واعية بمجمل الفضاء المقصود. ″فمجمل حركات الكاميرا هي امتداد لرؤية/عين المخرج، التي تقسم المجال إلى ما يzطلح عليه ب le champ و hors champ (الحقل وخارج الحقل)، وهو بالضبط ما يتم تحديده داخل الإطار le cadre و التأطير‟ ، أي أننا من خلال آلة الكاميرا و رؤية المخرج نحدد ما هو قابل للرؤية وللعرض وما لا يمكن أن يمثل داخل حقل الرؤية، إنها المقاربة التي تتحكم في السينما من خلال وظيفة الإخراج التي تتحكم في كل الأدوار الأخرى المساهمة في إنجاح العرض السينمائي.
إن المخرجين في نظر بييرسورلان ″لا يصورون ما يرونه، ولكن ما يريدون إبرازه أو عرضه‟ ، أي أن عين المخرج تتحكم في حقل الرؤية وهندسته، كما أشار إلى ذلك كارل ماركس عندما وصفها بالعلبة السوداء داخل جهاز التصوير الفوتوغرافي، إذ يقول في هذا الصدد : ″وإذا كان البشر وجميع علاقاتهم يبدو لنا من الإيديولوجية بكاملها، موضوعين رأسا على عقب كما في غرفة مظلمة، فإن هذه الظاهرة تنجم عن عمليات تطور حياتهم التاريخية تماما كما أن انقلاب الأشياء على الشبكية ينجم عن عملية تطور حياتهم الفيزيائية بصورة مباشرة‟ .
من خلال ما سبق يتضح أننا لسن أمام كاميرا محايدة، بل أمام عين ورؤية المخرج التي تقودنا إلى ما يريد إبرازه، مما يدفعنا للقول أن السينما ليست نقلا حرفيا للواقع، أي نقلا لجزء منه فقط، هذا الجزء الي يكون بدوره خاضعا لعدة رهانات تكون الإيديولوجيا حاضرة فيه.
خاتمة
إن المقاربة السوسيولوجية للسينما تجعلنا أمام مجموعة من المعطيات السوسيوثقافية تتضمنها كثير من الأفلام السينمائية، وهي معطيات تفرض نفسها باعتبارها مؤشرات دالة على حضور الواقعي داخل المتخيل، فالفيلم السينمائي باعتباره وثيقة حاملة للمعلومات وناقلة لمعطيات وأحداث اجتماعية، لا يمكن اعتباره قصة أو حكاية تحملها صور متوالية، بل هو إخراج سينمائي اجتماعي، تتدخل في إنجاحه مجموعة من الأفراد بشكل متكامل، يتميز بالإضافة إلى الجانب التقني والجمالي، فهو يحمل هما جماعيا. فخصوصية الإبداع السينمائي تتجلى في علاقته مع المجتمع، فلا يمكن فهم العمل السينمائي بمعزل عن المجتمع، والعلاقة التي تربط بين المنتجين والمستهلكين. وفي هذا السياق تعكس السينما المجتمع بكل تفاعلاته وتحولاته.


الهوامش 
 1موسوعة تاريخ السينما في العالم (السينما المعاصرة 1995-1960)، المجلد الثالث، إشراف جيوفري نوويل سميث، ترجمة أحمد يوسف، مراجعة هاشم النحاس، المركز القومي للترجمة-القاهرة، الطبعة الأولى، 2010، ص 7.
2 سمير سعيد حجازي، معجم المصطلحات الحديثة في علم النفس وعلم الاجتماع ونظرية المعرفة، دار الكتب العالمية، بيروت، بدون تاريخ، ص 186.
 3سمير إبراهيم حسن، الثقافة والمجتمع، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 2008، ص 130.
 4 Ralf Linton, De l’homme, édition Minuit, paris, 1968, p 491.
5 أنجليز ديفيد، جون هونستن، مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة لما نصير، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط 1، 2013، ص 21.
 6) Ethis Emanuel, sociologie du cinéma et ses publics, Armand colin, 2eme éd, 2011, p5.

  7 فريد بوجيدة، الصورة والمجتمع( من المحاكاة إلى السينما)، مرجع سابق، ص 27.
 8 )Anne Marie Laurran, Cinéma presse et public, édition Retz CERL ? PARIS 1978, p 21.
 9)Jean Lorain Baudry, effet cinéma, édition albatros, paris, 1978, p 15.
 10 )J Aumont, A Bergala, M Mari, M Vernet, Esthétique du film, Edition Nathan, 1983, p 31.
 11 )Edgar Morin, le cinéma ou l’homme imaginaire, Edition Minuit, paris, 2007, p 30.
  12)Pierre Sorlin, op cit, p 115.
  13 فريد بوجيدة، المرجع السابق، ص 29.
 14)Roberto ROSSELLINI, op.cit, p50
15 )Ibid, p55.
 16  فلسطين في السينما، كتاب جماعي تحت إشراف وليد شميط وغي هينبل، منشورات فجر، بيروت، من دون تاريخ، ص 44..
  17)M.Driss JAIDI, Le cinéma au Maroc, Collection Al Majal, Rabat, 1991, p7.
 18 يوسف يوسف، قضية فلسطين في السينما العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980، ص17.
 19 جان الكسان، السينما في الوطن العربي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مارس 1982، ص19.
20 أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الجزء الأول، بيروت، 1981، ص422.
 21  André BAZIN, Qu’est ce que le cinéma? III – Cinéma et sociologie, 7ème art, Editions du CERF, Paris, 1961, p82.
 22  M.Driss JAIDI, Vison(s) de la société marocaine à travers le court métrage, p11.
23  Elem KLIMOV, Le cinéma doit être sincère en tout ? Présenté par Valentino BLINOV, Traduit    par Serguei MOURAVIEW, Editions de l’agence de presse Novosti, 1987, p12. 24
  25 الواقعية في السينما العربية، منشورات الجامعة التونسية لنوادي السينما(1)، تونس 1988، ص74.
  Eric ROHMER, Pascal BONTZER, Editions de l’étoile, Cahiers du cinéma, Collection «Auteurs», Paris, 1991, p70
 26) Roberto ROSSELLINI, op.cit, p54.
27 ) Sorlin Pierre, Sociologie du cinéma, Aubier, Montaigne, Paris, 1977, p24.
 28 ) M.Driss JAIDI, Cinégraphiques (Cinéma et société), Al Majal, Rabat, 1995, p5.
29 ) M.Driss JAIDI, op.cit, p5.
 30 )M.Driss JAIDI, op.cit, p6.
 31 « CinémAction » et « Tricontinental », Le tiers monde en films, Revues trimestrielle, Numéro spécial, Maspero, Paris, Janvier, 1982, p14
 32 محمد نجيب قلال، الواقعية في السينما العربية، ، منشورات الجامعة التونسية لنوادي السينما(1)، تونس 1988، ص 86.
 33)Dictionnaire Encyclopédique quillet, paris, 1990, p 406.
  34شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، عالم المعرفة، ع 267، 2001، ص 24
 35شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، مرجع سابق،2001، ص 26.
 36 )Dictionnaire Encyclopédique, op cit, p 406.
37 ) Ibid. 406.
 38هايدغر مارتن، كتابات أساسية، ج 1، ترجمة إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2003، ص 69.
 39 ) Hegel, esthétique, traduit par jean Kelevich, ed Aubier Montaigne, paris, 1994, p 40.
 40فريد بوجيدة، مرجع سابق، ص 144.
 41 )Baudry Jean luis, l’effet cinéma, Edition albatros, paris 1978, p 54. 
42 )Pierre sorlin, op cit p 33.
 43فريد بوجيدة، مرجع سابق، ص 148.
 44 )Pierre sorlin, op cit  p 209.
45 )كارل ماركس، الإيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة و النشر، دمشق، ط1، 1976، ص 30.


بيبليوغرافيا :
مراجع باللغة العربية
موسوعة تاريخ السينما في العالم (السينما المعاصرة 1995-1960)، المجلد الثالث، إشراف جيوفري نوويل سميث، ترجمة أحمد يوسف، مراجعة هاشم النحاس، المركز القومي للترجمة-القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.
فريد بوجيدة، الصورة والمجتمع من المحاكاة إلى السينما، مطبعة الجسور ش.م.م، وجدة، الطبعة الأولى، 2016.
سمير سعيد حجازي، معجم المصطلحات الحديثة في علم النفس وعلم الاجتماع ونظرية المعرفة، دار الكتب العالمية، بيروت، بدون تاريخ.
سمير إبراهيم حسن، الثقافة والمجتمع، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 2008.
أنجليز ديفيد، جون هونستن، مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة لما نصير، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط 1، 2013.
فلسطين في السينما، كتاب جماعي تحت إشراف وليد شميط وغي هينبل، منشورات فجر، بيروت، من دون تاريخ
يوسف يوسف، قضية فلسطين في السينما العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.
جان الكسان، السينما في الوطن العربي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مارس 1982.
أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الجزء الأول، بيروت.
الواقعية في السينما العربية، منشورات الجامعة التونسية لنوادي السينما(1)، تونس 1988.
محمد نجيب قلال، الواقعية في السينما العربية، ، منشورات الجامعة التونسية لنوادي السينما(1)، تونس 1988
شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، عالم المعرفة، ع 267، 2001.
هايدغر مارتن، كتابات أساسية، ج 1، ترجمة إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2003.
زكريا فؤاد، مشكلة الفن، دار مصر للطباعة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1967.
كارل ماركس، الإيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة و النشر، دمشق، ط1، 1976.
جانيتي لوي، فهم السينما، نظرية السينما، منشورات عيون، دار اينمل مراكش 1993.
سوسيولوجيا الفن (طرق للرؤية)، محور: الفن والمجتمعة، عالم المعرفة، عدد 341، ترجمة د ليلى الموسوي، 2007.
مراجع باللغة الفرنسية

Philipe D’HUGUES, Almanach du cinéma : des origines à 1945, Volume I’ Encyclopédie Universalis, France, 1992.
Ralf Linton, De l’homme, édition Minuit, paris, 1968.
Ethis Emanuel, sociologie du cinéma et ses publics, Armand colin, 2eme éd, 2011.
Anne Marie Laurran, Cinéma presse et public, édition Retz CERL ? PARIS 1978.
J Aumont, A Bergala, M Mari, M Vernet, Esthétique du film, Edition Nathan, 1983.
Jean Lorain Baudry, effet cinéma, édition albatros, paris, 1978.
Edgar Morin, le cinéma ou l’homme imaginaire, Edition Minuit, paris, 2007.
M.Driss JAIDI, Le cinéma au Maroc, Collection Al Majal, Rabat, 1991.
André BAZIN, Qu’est-ce que le cinéma? III – Cinéma et sociologie, 7ème art, Editions du CERF, Paris, 1961.
Elem KLIMOV, Le cinéma doit être sincère en tout ? Présenté par Valentino BLINOV, Traduit par Serguei MOURAVIEW, Editions de l’agence de presse Novosti, 1987.
Eric ROHMER, Pascal BONTZER, Editions de l’étoile, Cahiers du cinéma, Collection «Auteurs», Paris, 1991.
Sorlin Pierre, Sociologie du cinéma, Aubier, Montaigne, Paris, 1977.
Dictionnaire Encyclopédique quillet, paris, 1990.
Hegel, esthétique, traduit par jean Kelevich, ed Aubier Montaigne, paris, 1994.
Baudry Jean luis, l’effet cinéma, Edition albatros, paris 1978.
Casseti Francessco, les théories du cinéma depuis 1945, traduit de l’italienne par sophie saffi, Armand colin , 2005.
Kracauer Segrfried, De galigari a hetler,  histoire psychologique de cinéma allemand, l’âge de l’homme 2009.
Morin Edgar, le cinéma ou l’homme imaginaire, ed minuit 1956.
Edgar morin, préface du livre : cinéma et science sociale, panorama de film Ethnologique et sociologique rapports et documents de sciences sociales unesco n 16,1962.
Morin E, Fridman G , Revue international de filmologie T.Vi, n 20-24. Paris PUP, 1955.
Sorlin Pierre, sociologie du cinéma : ouverture pour l’histoire de demain, aubier Montagne, paris 1977.



الجمعة، 7 يوليو، 2017

"كِشْتِنْ" البطوسى بين خيال الأسطورة وحقيقة الإرادة الإنسانية

الخميس، 29 يونيو، 2017

غنام غنام.. الشيخ الكنتي.. قراءة في مسرح الجلسة..

مجلة الفنون المسرحية

غنام غنام.. الشيخ الكنتي.. قراءة في مسرح الجلسة.. 

 هايل المذابي


في جدول "بريخت" كان "أرسطو"  يشدد على ضرورة تماهي الفنان في الشخصية و لدى "بريخت"  فإن على الفنان الابتعاد عن التماهي.  

و لعل المدهش عربياً و في تجربة "غنام غنام" التي أطلق عليها "مسرح الجلسة" أن "غنام"  يؤكد بعيدا عن رأي "أرسطو" و "بريخت" على أن الجوهر في المسرح هو التفاعل و المشاركة بأنواعها الثلاثة:

 وجدانية

و حركية

و إدراكية

و يعزز ذلك بخصائص الحكاية التي تتطلب التداعيات لإحداث التفاعل و المشاركة لدى المتلقي بل و التأثير الذي قد يستمر لديه لأوقات طويلة و يحثه كدافع خارجي لفعل أشياء كثيرة و هذه كلها سمات عصرية و حيوية..

لماذا إلتزم "غنام" طريق القص و الحكاية و السير الشعبية..؟

كانت العرب قديماً، تسمي الشيخ الكبير بالشيخ الكنتي ( مِن كنتُ ) لأنه يحكي قصصه، يحكي كثيرا، يحكي أكثر من الذي لا يجد ما يحكي لأنه لا يزال في دوامة الأحداث . و يحكي أكثر ليعيد بناء هوية قوامها صنع الحدث، لكنها اليوم بعيدة عن تلك الفاعلية، هي، بعبارة محددة، مهددة بالفناء و تريد البقاء و ( الوجود ).

من هذا أستطيع أن أطلق على "غنام"  لقب "الشيخ الكنتي"  لأنه فعلها بامتياز و حمل على عاتقه ألا تضيع القضية و ألا تضيع حكاياتها..

إن الفرد مثل الجماعة يحكي ليجدد هويته، وليستبصرها عميقا، وليمدها بمعرفة تبدو – وهماً - معروفة من قبل لكنها تغدو معروفة - حقاً- عبر التشفير الرمزي ؛ أي تحويلها إلى أشكال رمزية كما يرى السيميائي" كاسير".

وبذلك تنتقل من هلام مفكك يتمدد في الوعي واللاوعي إلى صور محددة في الإدراك المتعيّن باللغة.  تمارس الذوات المفردة حكاياتها لتعلن عن وجودها ( أنا أحكي إذن أنا موجود ) ، فوجودها بدون الحكي يعني الوجود غير المبين.

اللغة داخل خطاب السرد هي من يهبنا صورةً  بنيوية، و إلا فنحن حكايات مشتتة ؛ حكايات لا هوية لها ، ولا تأخذ هويتها إلا بالسرد. هكذا يرتبط الحكي بالجماعة كما يرتبط بالفرد.

أيّ جماعة تحكي لتشكل هويتها، تحكي لتكون، وفي عوالم أقطاب الدراسات الثقافية فإن الحكي هو الأمة   The Narration Is The Nation، و كل حكي يشمل " مجموعة قصص وصور ومشاهد وسيناريوهات وحوادث تاريخية ورموز وطقوس قومية ترمز إلى أو تمثل التجارب المشتركة والمآسي والانتصارات والويلات التي تضفي على الأمة معنى.

و إذا كان الأمر كذلك ، فالأمة تحكي لتعيد تشكيل ذاتها ؛ لترسم معالم هويتها ؛ لماذا يحكي السود رحلة العذاب والعبودية بين أفريقيا والعالم الجديد ؟

ولماذا يحكي اليهود الشتات ؟

 ولماذا يحكي العرب سيرة أجدادهم في هذا الزمن بالذات ؟.

 السؤال: لماذا نحكي ؟

 الإجابة على هذا السؤال تقول لا يوجد سوى أسئلة أخرى للإجابة عليه: لماذا الحب؟

 لماذا الإنسانية؟

لماذا المجتمع؟

و لماذا تنتظم الأكوان و تتحرك و تسير إلى غاية؟

هنا يحين الجواب:

إن طلب التجمع أصيل في أعماق كل موجود، فهو عنوان على الوحدة، و على وجود المتنوع من أبناء الأسرة الواحدة، و على رجو الذرية إلى أمها الكبرى " الأرض"..  في بعض قبائل أفريقيا يوجد تقليد يسمونه  "تقليد أكين"  و الأكين هو الذاكرة التي تحفظ و تحكي حكايات القبيلة  و عندما يشعر بأنه سيموت يختار أكيناً آخر و يخبره بكل أسرار القبيلة و حكاياتها و هكذا تحفظ القبيلة أمجادها و انتصاراتها..

إن  "غنام"  يقدم نموذج المسرحي الإنسان صاحب القضيتان  "قضية المسرح و قضية فلسطين" الأولى من أجل الثانية و من أجل الإنسانية و الثانية من أجل الكرامة و الحرية و العدالة..

هذا النموذج من المسرح يشبه فرق السيرك الجوالة لكنه نموذج يحمل قضية و في سبيلها يهون كل شيء..


الأربعاء، 7 يونيو، 2017

تصور جديد للفضاء المسرحي وجماليات العرض

مجلة الفنون المسرحية

تصور جديد للفضاء المسرحي وجماليات العرض

عواد علي 

يشير مفهوم “المثاقفة” إلى التفاعل بين الثقافات، والسعي إلى الانفتاح من دون انصهار، وإبراز الذات من دون انغلاق. وقد عرّف عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل دوكوستر المثاقفة بكونها جماع التفاعلات التي تحدث نتيجة شكل من أشكال الاتصال بين الثقافات المختلفة كالتأثير والتأثر والاستيراد والحوار والرفض والتمثّل، وغير ذلك مما يؤدي إلى ظهور عناصر جديدة في طريقة التفكير وأسلوب معالجة القضايا وتحليل الإشكاليات.

المثاقفة من المفاهيم الشائكة التي تضعنا أمام إشكالات من قبيل “استغلال ثقافات الضعفاء”. ويُعد الفن المسرحي من أبرز حقول المثقافة، فهو لا يعيش إلاّ في إطار الحوار الفني والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وأي تصور انطوائي سيحكم عليه بالموت والانتحار البطيء.

وبرزت الحاجة إلى المثاقفة المسرحية في المسرح الغربي المعاصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ليس بهدف الانفتاح على الثقافات الفرجوية الأخرى، بل لتجاوز حالة العقم التي عمت مجموعة من المسارح الأوروبية.

ذلك ما يؤكده الباحث المسرحي المغربي خالد أمين في تقديمه لكتاب الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته “مسرح المثاقفة وتناسج ثقافات الفرجة”، الذي ترجمه إلى العربية، وصدر عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة في طنجة.

مسرح المثاقفة حين يسعى إلى ترسيخ مسرح كوني، كما هي الحال بالنسبة إلى بروك، لا يهتم بالهويات الثقافية

استبدال التناسج بالمثاقفة

تعمدت فيشر استبدال مفهوم “التناسج” بـ”المثاقفة” لإحالته على النسيج، والأهم من ذلك هو ازدواجية وظيفته التي تعمل على مستويين: الكثير من الخيوط الحريرية تلتئم في ضفيرة واحدة، كما تنسج هذه الضفائر بدورها لتشكل قطعة ثوب.

بنفس التشابك المعقد، تتناسج الثقافات المسرحية في ما بينها بحيث يصعب عزل عناصر بعينها عن أخرى، ذلك أنها تخضع لمنطق التحول التاريخي، الجمالي، والفضائي أيضا، ومن ثم تكون مشرعة على إبداع فضاءات ثالثة.

يستشرف مشروع تناسج الثقافات المسرحية أفقا جديدا من التنوع الفرجوي عوض السقوط في أوربَة أو تنميط الثقافات المسرحية غير الغربية، ذلك أن المفهوم الجديد يضع اليد بشكل دقيق على جوهر الثقافة من حيث هي سيرورة مستمرة ومجددة لبنية الاختلاف.

وبفضل ظاهرة التناسج يتضمن المسرح قابلية هائلة لانصهار الهويات الهاربة والمجموعات المهاجرة واندماجها، لكن البحث المسرحي لم ينتبه لهذا الجانب إطلاقا.

في السياق ذاته ما زالت القابلية المثالية الكامنة في الفرجات التي تعتمد على تفاعل فنانين من ثقافات وتقاليد مختلفة في ظل عالم معولم وسريع التحول، حسب فيشر، في حاجة إلى اهتمام نقدي أكثر دقة من مجرد احتفاء بالتنوع.

يحتوي الكتاب على ثلاثة فصول تتدرج في إطار أطروحة تسعى إلى تحديد دواعي الانتقال من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافات الفرجة. بعنوان “مسرح المثاقفة”، تركز فيشر على النصف الأول من القرن العشرين، عادّة إياه فترة مؤسسة في تطور المسرح، نهل خلالها بعض رواد المسرح الغربي من المسرح الشرقي.

وكان من ثمار هذا الانفتاح دحض كل ما هو أدبي وواقعي نفسي في مسرح الوهم، وتقديم تصور جديد للفضاء المسرحي وسيرورة العرض المسرحي. وبالمقابل آمن دعاة المسرح الجديد في الشرق بأن الأشكال المسرحية التقليدية أضحت بائدة وتقليدية وعاجزة عن مواكبة هموم وقضايا المجتمع الحديث.



على غرار أطروحة الناقد الهندي رستم بهاروشا، ترى فيشر أن مسرح المثاقفة حين يسعى إلى ترسيخ مسرح كوني، كما هي الحال بالنسبة إلى بروك، لا يهتم بالهويات الثقافية، لأنه يولي “التجانس الإنساني” اهتماما بالغا، كون “المثاقفة المسرحية” لها جانب سياسي أيضا ينبغي عدم تجاهله، وهو مرتبط بالعلاقات السلطوية بين الثقافات.

كما تصطلح فيشر على عملية تبني التقاليد الفرجوية الوافدة بـ”التلقي المنتج”، ففرجة المثاقفة في سعيها نحو التلقي المنتج تخضع العناصر المسرحية لتغيير جذري بهدف توسيع الإمكانات التعبيرية، أو إحداث شكل مسرحي جديد.


العلاقات السلطوية

تحت عنوان “تناسج ثقافات الفرجة”، تعتبر فيشر أن اتساع التفاعل بين عناصر فرجوية يعزى إلى انتمائها إلى ثقافات مختلفة تنقل الفنانين بين العوالم بفضل وسائل النقل والمهرجانات، بحيث أصبح تداخل الثقافات داخل الفرجة ممارسة شائعة؛ لأن العروض تسافر من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى ومن مهرجان دولي إلى آخر.

وأثناء عملية الارتحال تكتسب الفرجة بعدا جماليا جديدا، إذ تخضع للتغيير حسب متطلبات السياق الجديد والحاضن إلى الحد الذي يصعب معه تحديد منبع الفرجة وانتمائها الهوياتي.

أما الفصل الثالث المعنون بـ”حوار المثاقفة المسرحية”، فيضم حوارا ذا أبعاد ثقافية تشي بدور رستم بهاروشا وخالد أمين في تعميق النقاش الدولي حول مسرح المثاقفة. تكشف فيشر في هذا الحوار عن تاريخ بدء تداول مصطلح “المسرح بين- الثقافات” وهو ثمانينات القرن الماضي، بالتزامن مع قمة عطاءات بيتر بروك، وأريان منوشكين في إنتاجاتها الشكسبيرية في مسرح الشمس بباريس، ثم روبرت ويلسون بمسرحه البصري.

وفي اليابان ارتبط اسما تاداشي سوزوكي ويوكيو نينا جاوا بهذا المسرح. وفي وقت لاحق جرت تسمية بعض الاقتباسات الأفريقية من ريبورتوار المأساة اليونانية أو شكسبير بـ”بين ثقافية”.

وبعد ذلك، أحييت أشكال الأوبرا الصينية التقليدية في الصين، من خلال اقتباس شكسبير، أو بريشت، أو إبسن. وفي هذه السياقات لم تكن النصوص المسرحية وحدها ما تغير بفعل الأساليب الفرجوية الجديدة، بل تلك الأساليب نفسها.

لكن لم يفكر أحد في تسمية أي من هذه الأشكال “مسرح بين- الثقافات” أو “مسرح مثاقفة”. كانت تلك الأساليب الجديدة بمثابة تحولات لأشكال مسرحية قائمة بالفعل بوسائل مختلفة، والتي اهتدت إلى استشراف رحابة الثقافات الأخرى.

لذلك عندما سنحت الفرصة لإنشاء المعهد الدولي لتناسج ثقافات الفرجة التابع للجامعة الحرة ببرلين، جرى تفادي المفهوم بحمولاته والبحث عن مفهوم آخر مناسب لتطلعات الدارسين البحثية واستشرافاتهم المستقبلية، وهكذا توصلوا إلى مفهوم “التناسج”، وارتأوا استعماله للنظر في جميع الأنواع الجديدة والمختلفة من التفاعل والتعاون داخل الفرجة.

-------------------------------------------------
المصدر : جريدة العرب 

السبت، 20 مايو، 2017

نساء برشت المقدسات

مجلة الفنون المسرحية

نساء برشت المقدسات

لطيف الحبيب

دع المرأة حيث هي!
لديها ذراعيها وساقيها أيضا
كما ترى،
فلا علاقة لك بها اكثر من ذلك ايها الرب 
انها قادرة وحدها على الخلاص. 
برتولد برشت

لم تغب عن ذهن الباحث الاوروبي في تاريخ المبدع من ابناء جلدته جزئيات الحياة اليومية التي يعيشها او عاشها , فهي عناصر مهمة في تكوين البحث الجاد , ومفصل اساس في سيرورة الانتاج الابداعي المتميز في العلوم والفنون والادب وكل اشكال المعرفة الانسانية , فالاكل والشرب والنوم والسهر والنزهة ,علاقاته الاجتماعية ,الحب والعشيقات والزوجات ,"بانورما"يمكن النفوذ من خلال بعض مشاهدها الى عالمه الخاص, غالبا ما يتضمن المنتَج الابداعي في نواحيه المعرفية المتعددة جزء من شخصية المبدع ,وبعضها الاخر , تسردها رموز ولمسات تتبطن النص, وتعلن بشكل دقيق وتفصيلي عن نزعات الشاعر والتشكيلي والروائي وكل من ابدع , افصح برشت عن طباعه وسلوكه وبعض عاداته اليومية واودعها في شخصية بطله"بعل"في اولى مسرحياته عام 1918. اما نحن فطرحنا برشت معلما جادا مقطبا لا يعرف المزحة والعشق, خضنا وجدفنا في اطروحات مسرحه الملحمي والتعلمي وقيمناه وقرأناه كاتبا واقعيا اشتراكيا , لم نلتفت الى ديونه الشعري ,لم نتحسس علاقته الانسانية وعشقه للنساء, مثلما البسنا"روزو لوكمسبورغ"لبوس العفة النضالية وانتزعنا عنها انوثتها , وجزعنا في"فلم رزا"حين تضاجع حبيبها في فراش جميل على الشاشة البيضاء واقسمنا اغلظ الايمان , ان روزا لا تفعل مثل هذه الافعال , انها مناضلة وما هذه اللقطة الا تشويه لعفتها. 
عندما نشرت"قصائد عن الحب"لبرتولد برشت لأول مرة بعد وفاته، تصاعدت موجات حادة من الانتقادات اللاذعة ضده , وتنافس النقاد في الشجب والاتهام , ودونت عبارة ما كان احد يجرئ على طرحها في حياة برشت ,مثل"اصوات باهتة بائسة من الشعر"أو"وصفة شهرية من صيدلية منزلية","قصائد تكنوقراطية جنسية من محرك معطوب", استعر واندلع النزاع مرة أخر حول حياة برشت الخاصة, ولا سيما علاقاته مع شريكات حياته، تستحضر القصائد مرة أخرى صورة برشت المتساهل والمتراخي امام جمال وانوثة المرأة.
تابعت الكاتبة"سابينا كيبر"من المهتمين بتاريخ برشت"مقالات النقاد , وبطريقة شخصية جدا, اعدت مقالاتها للرد على المادة النقدية التي استخدمها النقاد ,عبر دراسة السير الذاتية وتراجم شخصية لحياة برتولد برشت , نشرت في الآونة الأخيرة ,والبيانات والتصريحات والحكايات وما شابه ذلك ,المتوفرة في صحافة ذلك الزمان , خلال قراءتها التحليلة وتفسيراتها الجديدة لقصائد برشت الغزلية, توصلت وطرحت وجهة نظر مثيرة للدهشة. 
"المساواة والاستقلالية للمحبين، والبعد والقرب، وحتى الخلافات هي تبادل للقوة والضعيف بين الشركاء الرجل والمراءة، مفاهيم ميزت العلاقة بين برشت والنساء،على الرغم من ما تسببه هذه المفاهيم من معاناة وصراعات بينهما", هذا القراءة كانت وما زالت مساهمة مثيرة للاهتمام بوجهات نظر برشت المثيرة للجدل حول علاقاته بالنساء, وأيضا مساهمة لنقل الحوارالجاري حول العلاقات بين الشركاء والعشاق والمحبين، وهم الناس الذين، مازالوا يحملون صفة امرأة ورجل.
لم يُظهربرشت من خلال الكتابة اوعبر نصه أن حبَّه للمرأة  كان مجازيا ورغبة للاقامة في ملذات مفاتن جسدها، انه يعشقها من خلال عملها المتفرد الذي تمارسه، من خلال خصوصيتها الاستثنائية التي تربط المجتمع بالعالم، فلا يمكن ان تختلف المرأة عن الآخر ان لم تكن متفردة في خصوصيتها , فخلال حياته القصيرة نسبيا،عشق برشت الكثير من النساء، تصفه حبيبته في بدأ شبابه"باولا بانهولزر", ابنة تشارلز بانهولزر، طبيب ممارس شهير متخصص في اوغسبورغ ولدت عام 1901"أنه دائما مهذب، لطيف  مثير للاهتمام    وساحر للغاية. في عام 1919 أنجبت ابنها فرانك منه ,ولكن برشت لم يتزوجها. اقترن لاحقا بزوجته الأولى الممثلة"ماريانا تسوف"ولدت في النمسا عام 1893, ابنة مفتش السكك الحديدية وأخت الكاتب أوتو تسوف , درست التمثيل والغناء في فيينا، ولدت بنته"هانا"في عام 1923 ,لكن هذا الزواج لم يدم طويلا , ففي العام نفسه بدأ علاقة غرامية مع الممثلة"هيلينا فايجل"في سن السادسة والعشرين ,ولد له الطفل الثالث"ستيفان"منها, في تلك السنوات الأولى كان لديه ثلاثة أطفال من ثلاث نساء مختلفات. في عام 1924 طلق برشت زوجته الاولى الممثلة ماريان تسووف، و تزوج بعد خمس سنوات، في عام 1929، من صديقته التي رافقته فترة طويلة،"هيلينا فايجل", ولدت1900 في فيينا ابنة مدير وصاحب شركة لصناعة اللعب.
بعد ان اكملت مدرسة الدراما في فينا عام 1919، سافرت إلى فرانكفورت وبرلين ودرست الدراما على يد ماكس راينهارت عام 1922. استمرعقد هذا الزواج حتى وفاة برشت 1956, محفوفاً بمخاطرانفراطه لعلاقات برشت المستمرة بنساء أخريات. 
كان برشت يرى استقلاليته الخاصة هي الأكثر أهمية في حياته وحرياته الشخصية لا يُعلى عليها ,لا يمكن ان تحكمها عقود الزواج  او يتخلى عنها بسبب اشتراطات اجتماعية,كان يرفضها جملة وتفصيلا. امرأة مهمة أخرى من العاملين معه , برزت في حياته كانت عاملا مهما في نجاح بعض اعماله"إليزابيث هوبتمان"ولدت عام 1897 بنت طبيب، معلمة وكاتبة، فمسرحية"أوبرا القروش الثلاثة"لم تتكلل بالنجاح, لولا ترجمتها من قبل اليزبيث من الإنكليزية إلى الألمانية. 
في وقت مبكر من اعوام الثلاثينيات بدأت علاقة حب مع زميلته وصديقته"مارغريت شتيفن",كانت كاتب ومترجمة وممثلة ,لها إنجازاتها الادبية الخاصة ولكنها بقيت تحت ظل برشت. سافر برتولد برشت مع عائلته إلى الاتحاد السوفييتي للعبور الى اميركا كان الطريق الأخير السالك إلى الولايات المتحدة من دون الوقوع في قبضة حكومة هتلر , رافقته صديقته"مارغريت شتيفن"،وكانت مصابة بمرض التدرن الرئوي الخطير في ذلك الوقت، غادر برشت وعائلته الاتحاد السوفيتي ,و بقيت مارغريت في المستشفى , في طريق رحلته إلى الولايات المتحدة علم بوفاتها ,رثاها بلوعة"هوى جنرالي / سقط جنديي / غادرني معلمي / تركني تلميذي / ممرضتي عادرتني / انتزع طفلي من حضني.
آخر علاقات برشت الغرامية مع الصحفية والمصورة الممثلة"روث بيرلاو"وتكنى"روث الحمراء"ولدت عام 1906في كوبنهاغن. تذكر"روث بيرلاو"وبفخر في مقابلة صحفية، انها تحرص على توفير قهوة الصباح لبرشت الذي ينهض دائما في وقت مبكر في المنفى الفنلندي ,لا غنى له عنها ليبدأ عمله , روث بيرلاو عضوة الحزب الشيوعي الفنلدي والمناضلة من اجل تحرير المرأة وتمكينها من حقوقها , توفر لبرشت القهوة في اشد ازمات البن في فلندا , استأجرت روث فندقا قريبا من سكن برشت وعائلته , يقدم فيه افطارا صباحيا مع القهوة , كانت تعبأ القهوة في وعاء تحمله في حقيبتها اليدوية دون أن يلاحظها أحد من ضيوف الفندق كل صباح، وتهرع خارج الفندق مسرعة الى سيدها برشت ,الذي ينتظرها الساعة السابعة صباحا مطلا من نافذة منزله , ولكن هل تذوقت روث قطر من القهوة الثمينة؟ لم تصرح بذلك. كانت تقوم بالمهمة دون ان تتبادل معه كلمة واحدة , يزورها برشت الساعة الثالثة عصرا بعد ان ينجز ما اختمر في ذهنه على الورق , ويبدأ نقاشه معها حول ما كتب"وتقول روث انها يتحدث اليها فقط عن اعماله",في نفس المقابلة كشفت روث المزيد من التفاصيل حول الرعاية الانثوية الشفافة والشاملة التي تحيط حياة برشت دوما من قبل نسائه ,وتحدثث ايضا عن زمن برشت في هوليود تقول: في االوقت الذي كانت هيلين فايجل تنقل مخطوطات برشت باليد في غلاف جلدي وتنجز اعمال البيت والعناية بالأطفال, كان الشاعر يتناول طعام الغدا دائما معي في هوليوود. لم تتمكن هيلين فايجل من فهم علاقات زوجها وحبه لمارغريت شتيفن والعديد من النساء، رغم ذلك بقيت معه منشغلة في الاهتمام بالأطفال والعودة إلى التمثيل ثانية. بعد وفاة برتولد برشت 1956 أسست هيلين فايجل"أرشيف برشت",يقع الآن في الطابق الثاني في شقة برشت في شارع شاوسيه 125. عاشت هيلينا في شقة برشت حتى وفاتها1971, كان السكن ملاذا لها للنهوض بأعباء العمل بوصفها ممثلة للأدوار الكبيرة لمسرحيات برشت ومخرج لمسرح"برلينر انسامبل".والمسؤول عن ارث برتولد برشت, ليس بعيدا عن مسكنه وهيلينا فايجل دفن برتولد برشت في مقبرة دوروتن شتيدشن.
قرأنا الكثير عن الرعاية والاهتمام الأنوثي الذي أحيط به برشت في حياته ,وطفحت طاحونة القيل والقال , وستستمر هذه التقولات خاصة بعد وفاته الى دهر ,طالما بقيت اعماله تثير دهشة واهتمام النساء وهذا ديدن كل عبقرى. في سنوات لاحقه بعد وفاة برشت, قررت احد العاملات المنظفات في مسرح البرلينر انسامبل, ان تزور قبربرشت في مقبرة دورتين شتيدشن ,وقفت المرأة عند قبر برشت ,انتابها غضب شديد لما لحق قبر هذا العظيم من اهمال وقلة رعايه ,وانبها ضميرها لتقصيرها في زيارة القبر , نبتت الاعشاب والحشائش في زواياه , دون تردد، بحثت عن محل لبيع الزهورواشترت باقات من زهرة الربيع وباقات من ورد اصفر,عادت إلى قبر برشت، وبدأت في تنظيف حواف القبر وإزاحة الاعشاب وزرع الزهور,بعد برهة قصيرة، جاء يعدو من بعيد رجل عجوز لاهثا صارخا بها ,ان توقف العمل فورا ,وان تبعد يدها عن اعشاب القبر"بحق السماء توقفي عن قطع الاعشاب , انها اعشاب بذور جمعتها"هلينا فايجل"من جميع بلدان المنفى التي عاشها برشت".
لم ينته اويهدأ التنافس بين الإناث على رعاية برشت، سوا في العمل معه او عشقه وحتى بعد موته الى يومنا هذا. ادعت احداهن انها كانت في خدمة برشت وفي استراحته يركن الى سريرها,وحين باعت ذلك السرير لم تذق طعم النوم، حذرت اخرى بل وهددت علنا من تحاول الوقوف بوجهها في اخذ مكانها في الجنة بجوار برشت , وانها ستمنع هلينا فايكل من غمزه. وقيل عنه ايضا ووصف انه صنو بطله"بعل""كان الشاعر معشوق النساء ليس اكثر من زير نساء، بل هو أسوأ من"بعل"بطل مسرحيته الاولى اذاق حبيبته"املي"انواع العذابات انزالها الى قيعان العبودية والاستغلال الجنسي ,عاملها كحيوانات العمل, تكدح طول اليوم من اجل ان توفر له لقمة عيش , ويواصل هو انتاجه الابداعي,كان بعل شاعرا مثقفا ولكنه سكير فك مفترس للنساء.
تصف الكاتبة"كيبر"في كتابها عن برشت"رجل مقبول"الصادر في عام 1987"لكن هذه هي الشائعات، التي يجب علينا أن نسمعها إلى درجة معينة ,وكلما تعمقنا أكثرفي البحث تصاعدت روائحها تزكم الانوف , فيزداد قلقنا على الشاعر,تتصاعد حدة الانزعاج منه، فيبدولنا وكأنما أنه وقع في اسارنساء جميلات وإناث ينزعن الى الماسوشية. ان النظرةالفاحصة للسنوات المبكرة في شباب برشت في مدينة اوغسبورغ تفصح عن حياتيه الملتبسة مع النساء",وشيئ مهم اخر"غيرة"النساء المحيطات به ,فمارغريت شتفن -عاشت أيضا مقربة من عائلة برشت- التي زعمت انها لم تعمل كثيرا مع برشت في مسرحية"بونتلا وتابعه ماتي"لان مزاحها كان متعكرا وفي الحقيقة , انه تلميح الى"دراما الغيرة بين النساء"التي كانت تمر بها نساء برشت في ذلك الزمان.
كان برشت الشاب يفترس الحياة كتب صديقه"فويشت فاكنر"عن ذلك الزمن ويتفق معه الكثير من مجايليه"لقد أمتلئ برشت من البعلية"مسرحية بعل"ويشعر بالوفاء لها. نقلت الواقع ومذكرات, الشاعرترديده مثل نيتشه"اذا كنت تريد الذهاب الى انثى لا ننسى السوط", ويلاحظ في مذكراته الجملة التالية"من أجل االحصول على الفكر القوية النابهة سأضحي بكل امرأة"واضاف على الفور مستدركا"تقريبا كل امرأة". 
رغم ان رؤية برشت لتحرر المرأة موضوع خلاف , تقول الكاتبة كيبر عنه:"لا يسعني، بعد كل شيء من إيجابيات وسلبيات في رؤى وتعامل برتولد برشت مع المرأة التي يتلمسها بقصائد مفعمة بالحب والعشق , تلهث في ضباب صباح مبكر , الا ان ارى ومضة رجل مقبول في صورة مظللة".
ولد برتولد برشت في أوجسبورغ في 10 فبراير/شباط 1898 – مات في برلين في 14 أوغسطس/آب  1956) شاعر وكاتب ومخرج مسرحي ألماني. يعد من أهم كتاب المسرح في القرن العشرين. كما أنه من الشعراء البارزين.من اشهر اعماله المسرحية: 
1918  بعل، 1919طبول في الليل، 1921غابة المدن، حياة إدوارد الثاني ملك إنكلترا، الرجل هو الرجل، مؤتمر غاسلي الأدمغة، صعود وسقوط مدينة مهاجوني، أوبرا القروش الثلاثة،حياة جاليليه، الأم البؤس والخوف في الرايخ الثالث، 1937 الأم شجاعة وأبنائها  1937، بنادق الأم جيرار، الإنسان الطيب من سيتشوان، الاستثناء والقاعد،,
1940  بونتلا وتابعه ماتي، 1941 الصعود المقاوم لارتورو اوي، 1943 حكاية سيمونه ماخورد، 1944 الجندي شفيك في الحرب العالمية الثانية، 1945 دائرة الطباشير القوقازية, 1948 يوم الكومونة , 1952 قضية جان دارك, 1952 دون جوان السيد بو، قديسة المسالخ ومسرحيات من فصل واحد: الزفاف،الشحاذ..أو اليد الميتة، كم يكلف الحديد، الخطايا السبعة المهلكة.

---------------------------------------
المصدر :  الحوار المتمدن


مفهوم الكتابة عند برشت.. تحطيم الأشكال الجاهزة

مجلة الفنون المسرحية

مفهوم الكتابة عند برشت.. تحطيم الأشكال الجاهزة

ناجــي حســين 

في الوقت الذي  كان فيه لوكاش يأسر نفسه ضمن أُطر معينة في الواقعية  كان برشت يحاول  تحطيم كافة الأشكال الجاهزة , وبناء واقعية جديدة ملائمة للتغيرات  الاجتماعية , ومتوافقة مع دور الأدب السياسي في اتمام مهام الثورة  الاشتراكية. فدعا إلى"الواقعية المقاتلة"كشكل أدبي يستجيب كليا لديالكتيك  الحياة ويعبر عن الصراع الاجتماعي في كل أبعاده الممكنة ,

ولم يكتف برشت في قراءة العملية الأدبية في تاريخ الأدب أو في تاريخ الفلسفة فحسب , بل كان يرصدها في مجمل النشاطات الاجتماعية , بحيث يعيد صياغتها من جديد كعملية فاعلة ومتفاعلة على السواء مع النشاطات الأخرى في الزمان والمكان , كما أنه لم يضع لهذه العملية أي حدود , ولكن فسح المجال رحبا لأن تتم عملية التفاعل بحرية. أن هذا الأمر يحتاج بالضرورة , إلى تعريف الأدب كعلاقة اجتماعية قائمة في منظومة كاملة للعلاقات الاجتماعية المتفاعلة , يقول برشت"الأدب ممارسة اجتماعية متميزة , ترتبط بمجمل الممارسات اجتماعية". وتأكيدا على ما سبق عرف برشت الواقعية كممارسة متعددة المركبات:"الواقعية ليست قضية أدبية فحسب , أنها أكبر من ذلك بكثير , فهي قضية سياسية , فلسفية , عملية , ينبغي أن ترى كذلك وتعالج كذلك , أي كقضية تمس مجمل الحياة الاجتماعية". وانطلاقا من قناعاته السياسية ورؤيته بأن وظيفة الأدب والفن تكمن في تحقيق الثورة الطبقة العاملة وجميع الكادحين , قدم برشت مفهوما جديدا ومتجددا للواقعية , برشت السياسي لم يكن على الأطلاق يفصل بين الفن ووظيفته , فالفن عنده محدود بوظيفته , ويتطور ويتشكل وفقا لأهداف هذه الوظيفة , المؤطرة بأطر سياسية , بمعنى أخر فان برشت يرى الالتزام السياسي والموقع الطبقي هما الأساسي لأي بناء أدبي , وانطلاقا من ديالكتيك الفن والسياسة من تصوره الماركسي يؤكد برشت على المعرفة الأدبية ويدعوا إلى أدب وفن منتجين للمعرفة , فقد بين المعرفة الأدبية والقانون العلمي حتى درجة المبالغة , أحيانا , حتى انكر عفوية الأديب , واستبعد اية علاقة لا تخضع للمحاكمة , وجعل من العمل الأدبي وسيلة لشرح علاقات الواقع الموضوعي , وأداة فعالة من أجل هدم الأوهام التي ينتجها , يقول"برشت":"اذا أردنا أن نكتب حقيقة فاعلة عن حالة اوضاع سيئة , فينبغي كتابتها بطريقة تمكننا من التعرف على أسبابها". ويقول أيضا:"لنلق جانبا كل الأشياء التي تمنعنا من الكشف عن السببية الاجتماعية بشكل كامل". أن محاولة برشت التأكيد على"التعرف"وعلى"السببية الاجتماعية"قد قاده إلى أعتبار الأدب مجالا رحبا للبحث والتقصي. في كل ميادين المجتمع والمعرفة , ولهذا فانه يقول:"يحتاج الكاتب في زمن الصعوبات والهزات العظيمة , إلى معرفة الديالكتيك المادي والأقتصاد والتاريخ". أي أن معرفة هي ضرورة للكاتب من اجل التعامل الصحيح مع زمانه والتفاعل معه , أو من أجل انتاج معرفة جديدة قادرة على تغيير هذا الزمان إلى الأمام. مهما يكن من أمر فأن مفهوم"الواقعية المقاتلة"قد دفع برشت إلى آفاق جديدة في المعرفة والعمل باتجاة أنشاء آلية جديدة في فن الكتابة والقراءة على حد سواء , آلية وظيفة تحدد بداية الكتابة ونهايتها , وتجعل من النتائج السياسية حكما مطلقا لبدايتها ونهايتها , فهدف الكتابة هو في نهاية المطاف تحقيق امر ما مشخص. والوصول إلى نتيجة مفيدة وصالحة للأستعمال:"ينبغي أستخلاص حقيقة نستطيع أستخدامها من أجل شيء ما". اما هذا"الشيء"الذي تدور حوله الكتابة فهو الثورة الاجتماعية , بمعنى آخر أكثر دقة , انتاج الإنسان القادر على تحقيقها.وعلى ضوء رؤية برشت يجب أن نكتب ونقل الحقيقة التي تقع على عاتق الكاتب والمثقف العراقي الوطني على ما حل بالعراق من الخراب والدمار , لماذا نرى كتاب الغرب يكتبون ويفضحون أدارة المجرم بوش التي زيفت وثائق كي تستخدمها ذريعة لقرار شن الحرب على العراق. حين يقرأ أي مواطن عراقي أو عربي كتاب جورج تينيت «قلب العاصفة"الصادر في عام 2007 يتوصل فورا إلى الحقيقة المؤلمة دون مشقة , ذلك أن الخراب الذي حلّ بالعراق كان عن سابق إصرار وبطريقة منهجية استخدمت فيها آلة التضليل والكذب والنفاق الإيديولوجي لتحقيق الأهداف السياسية، لاسيما المعلومات التي صيغت بطريقة مخادعة والتي تم الاستناد إليها باعتبارها حقائق لا يرقى اليها الشك، خصوصاً بشأن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل وعلاقة الحكومة العراقية بالارهاب الدولي وتنظيم القاعدة. لعل مثل هذه الأكاذيب خدعت الشعب الامريكي وجميع الشعوب العالم , كلنا يعرف حروب العالمية التي نشبت رغم ما يقال عنها وعن مبرراتها وأسبابها ومسوّغاتها سببت ويلات وآلاما ومآسي لا حصر لها، الا أن الحرب على العراق كانت وتكون هي أكثر انحطاطاً في التاريخ، وذلك بسبب حجم الزيف والخداع والكذب الذي رافقها، ويؤكد تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية في كتابه إنه حذر تشيني نائب المجرم بوش عن عدم صحة شراء اليورانيوم لغرض الاعداد لسلاح الدمار الشامل, ثم قدم تقريرا إلى المجرم بوش يشير بعدم صحة معلومات، لكن ماكينة الدعاية ظلّت تلفق وتلفق لتضخ بالأستمرار دون توقف، تلك المعلومات المضللة باعتبارها حقائق. وقد كتب كنعان مكية وغيره من صانعي الأكاذيب ومؤيدي الحرب الذين ندموا على مشاركتهم في دمار العراق, يشير زلماي خليل زاد المنسق مع المعارضة العراقية الموالية لواشنطن ولإيران قبل الاحتلال , على درجة عالية من التنسيق والتفاهم، لاسيما بعد الاحتلال مباشرة، حيث وافقت على الاشتراك في مجلس الحكم الانتقالي السيء الصيت الذي أسسه بول بريمر، والذي كان بداية المحاصصة الطائفية- العرقية. نتج عنه استشراء ظاهرة التفكك المجتمعي والانقسام الطائفي، وانتشار الميليشيات، وتكريد مدن العراقية، وشيوع ظاهرة الفساد والرشوة على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ. وجدير بالذكر سوف يصدر قريبا في الولايات المتحدة كتاب جديد هو"طريق العالم"كتبه الصحفي رون سوسكينا، الذي نال في الماضي جوائز عديدة على عمله. يكشف النقاب عن فضيحة تزييف وثيقة تدعي بان رئيس الاستخبارات لدى صدام حسين كان عميلا لبريطانيا وبعد ذلك أصبح عميلا لـ (سي.أي.إيه). ويزعم الكتاب بانه بعد بضعة أشهر من احتلال الولايات المتحدة العراق في حرب الخليج الثانية طلبت بفبركة الرسالة الشهيرة (سي.أي.إيه) من طاهر جليل حبوش التكريتي أن يكتب بخطه على ورقة رسمية للحكومة الاحتلالية في بغداد, حملت تاريخ 11-9-2001 تضمنت مزاعم عن استقبال العراق لمحمد عطا، الذي وقف على رأس فريق نفذوا العملية في البرجين التوأمين في الولايات المتحدة، تدرب في العراق استعدادا لتنفيذ المهمة. كما كتب التكريتي في الوثيقة بان منظمة القاعدة ساعدت العراق على الحصول على اليورانيوم من نيجيريا. ويزعم الكتاب بان الوثيقة المزيفة نشرت بعد ذلك على الصحافيين في الولايات المتحدة، بريطانيا وفي العراق المحتل , والسبب من نشرها خلق الانطباع وكأنها وثيقة أصيلة اكتشفتها القوات الامريكية في أرشيف وزارة الخارجية العراقية. وقد صدق بعض الصحافيين هذه القصة، ونشرت الوثيقة المزيفة ضمن صحف اخرى في الصحيفة البريطانية"ديلي تلغراف". وكانت هناك صحف نشرت الوثيقة ولكنها شددت على أن مصداقيتها موضع شك. كما يزعم الكتاب بانه في الشهرين قبل شن الولايات المتحدة حرب الخليج الثانية التقى التكريتي سرا مع مسؤوليه البريطانيين في الأردن وقال لهم أن صدام حسين لا يطور على الاطلاق سلاحا نوويا وأنه تخلى عن نيته هذه في التسعينيات. هذا ونفى البيت الابيض و(سي.أي.إيه) هذه المزاعم التي يذكرها الكتاب في هذا الشأن, وكعادتهما ينكرون جميع الحقائق, بينما أسلوب التضليل والخداع والأكاذيب هو المنهج السائد لدى غزاة المحتلين وأذنابه الاحتلالية في تدميرالدول وقتل شعوبها. من الضروري الوجوب الكتابة عن الحرب الكارثية والقذرة ضد العراق من موقع الوطني والإنساني , ومطالبة المجتمع الدولي بتقديم مجرمي الحرب كل من أدارة بوش وبلير وملالي إيران ودول الخليج وبعض من أنظمة العربية وجميع الأحزاب العراقية التي تعاونت ونسقت مع الاحتلال إلى محاكم دولية لأرتكابهم خيانة عظمى وجرائم حرب ومحو الجنس البشري بإستخدام الذخائر المصنعة من النفايات النووية مما يزيد من المخاوف أن أغلبها إستخدمت في حرب عام 1991 من ذخيرة اليورانيوم سقطت على جنوب العراق، وخاصة البصرة والمناطق المحيطة بها والقريبة من الحدود الكويتية، بينما في حرب عام 2003 قصفت القوات الأمريكية والبريطانية كافة أنحاء العراق، وإستهدفت حتى المناطق الكثيفة بالسكان، وتبين ان الذخائر المستخدمة كانت مطورة كثيراً وذات قدرة تدميرية رهيبة، وأكثر فتكاً. تقدر وزنها 320 – 800 طناً إستخدمت عام 1991.. ولا يعرف أحد، إلا الله، ما الذي ينتظر الشعب العراقي من أضرار كمية وزنها 2000 طنا من القذائف المطورة والأكثر فتكاً بالبشر، إستخدمت عام 2003 ضد العراق.. تعتبر جرائم أبادة بحق الإنسانية وفقا للقوانين الدولية. يؤكد برشت على"الواقعية المقاتلة"في تمهيد نحو ثورة شعبية , وأنني أثني على دور"الأدب المقاومة"و"المثقف المقاتل"من أجل التعامل الصحيح مع وطنه في محنته الكارثية وفي تهيئته الجماهير القادرة على تحقيقها, وهكذا فأن دور الكتابة , يتحدد قبل كل شيء باعداد القارىء وتربيته وتهيئته وتحريضه , لخوض غمار الثورة , فالثورة ترى الكتابة في مردود القراءة وفي القارىء الذي يترجم تعاليم الكتابة بممارسات أجتماعية تطلب على الدوام بالتغيير نحو الأفضل.

-----------------------------------------------
المصدر : ملحق منارات 

المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption