أختيار لغة الموقع

أخبار مسرحية

آخر المنشورات في صور

المشاركة على المواقع الأجتماعية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات مسرحية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 16 نوفمبر، 2017

المهاجرون في الدراما.. ودراما المهاجرين

مجلة الفنون المسرحية
  


المهاجرون في الدراما.. ودراما المهاجرين


رياض عصمت - الحرة 

احتلت قضية الهجرة مساحة مهمة في تاريخ الدراما العالمية. طرحت شخصيات المهاجرين نماذج مثيرة للجدل، ومواضيع إشكالية جديدة، بل غريبة أحياناً على مفاهيم المجتمعات الغربية التقليدية، ذلك لأنهم قدموا من بيئات تتمتع بتقاليد وأعراف مغايرة. بالتالي، طرح اللاجئون في المسرح والسينما أسئلة غير مطروقة من قبل، من بينها مدى تقبل المجتمع لوجودهم رغم اختلافهم عنه، وقدرة المهاجرين على التأقلم مع ذلك المجتمع الذي لجأوا إليه.

نذكر بين أشهر أعمال المسرح عن الهجرة مسرحية آرثر ميلر "منظر من الجسر" (1956)، التي أنتجت عديداً من المرات منذ أخرجها بيتر بروك في لندن بنصها الذي نعرفه. ومن أفضل عروضها التي شاهدت في حياتي عرض "مسرح بيركلي الريبرتواري" عام 1988، ثم عرض "مسرح غودمان" في شيكاغو عام 2017 من إخراج الهولندي آيفو فان هوفه بعد نجاح إخراجه له في لندن. تدور أحداث "منظر من الجسر" في نيويورك في حقبة الخمسينيات، وتتمحور حول علاقة عشق غير مباح به من مهاجر إيطالي لقريبة زوجته الصبية اليتيمة التي تعيش تحت سقف بيته، وكيف تؤدي به الغيرة عليها من حب مهاجر إيطالي شاب وصل إلى نيويورك بصورة غير شرعية للوشاية به لترحله السلطات الأميركية المختصة، مما يجعل المهاجر المخضرم هدفاً للانتقام على خيانته تلك بطعنة سكين من إيطالي آخر حسبما تملي التقاليد. كان المخرج إيليا كازان يرغب في مقاربة الموضوع نفسه في سيناريو اسمه "الخطاف"، لولا أن ميلر سبقه بمسرحيته هذه، فاتجه بدلاً من ذلك لإخراج فيلمه "على الميناء"، الذي تدور أحداثه في بيئة المهاجرين أيضاً. في الواقع، كان إيليا كازان نفسه مهاجراً انتقل من تركيا إلى اليونان، ومن ثم إلى نيويورك، ملاحقاً "الحلم الأميركي" لشباب العالم في عصره، ألا وهو الهجرة إلى أرض الأمل مهما واجهوا من مصاعب وبذلوا من تضحيات. هنا، نصل إلى فيلم إيليا كازان الأهم عن الهجرة، والذي نادراً ما يعرض أو يسلط الضوء عليه الآن، وهو فيلمه "أميركا.. أميركا" (1963)، بالرغم من تصريح مخرجه إيليا كازان أنه الفيلم المفضل بين أعماله قاطبة، بالرغم كونه مبدع أفلام مشهورة مثل "عربة ترام اسمها الرغبة" و"على الميناء" و"شرقي عدن" و"اتفاقية جنتلمان" و"فيفا زاباتا" و"وجه في الزحام". يبقى فيلم "أمريكا.. أمريكا" فيلماً مغموراً تجارياً بالمقارنة مع روائع كازان، خاصة لأن قضية اللاجئين ضخمت وهوِّل من شأنها وأضحت قضية مثيرة للجدل. كتب كازان سيناريو فيلمه بنفسه وأخرجه بشعفٍ شديد، لأنه يروي قصة مشابهة لقصة هجرته هو نفسه إلى أميركا. يهاجر بطل الفيلم الشاب "سترافوس" من تركيا، ذات المجتمع الإسلامي المتشدد آنذاك تجاه الأقلية المسيحية، إلى اليونان بحثاً عن فرصة عمل لائقة لا تتاح له إلا بالاقتران من صبية ثرية، ومن ثم يبذل المستحيل كي يهاجر إلى أميركا. يتابع الفيلم تجربة بطله الشاب عبر تلك الرحلة غير المشروعة على متن سفينة ضخمة، وإصراره على الوصول إلى أرض الأحلام، إلى أن يبصر عن كثب تمثال الحرية. اختار كازان أن يصور فيلمه بالأسود والأبيض في عصر هيمنت فيه الأفلام الملونة، وذلك ليضفي على الأحداث والمواقع مصداقية تاريخية مقنعة. رشح فيلم "أمريكا.. أمريكا" لأربع جوائز أوسكار، منها جوائز أفضل فيلم وأفضل إخراج وسيناريو، لكنه نال واحدة منها فقط هي جائزة الديكور والإدارة الفنية! أما لمسابقة جوائز "غولدن غلوب"، فرشح لعدد أكبر من الجوائز، حاز كازان بينها جائزة أفضل إخراج، كما حاز ممثل دور البطولة اليوناني الشاب ستاثيس غياليلس جائزة التمثيل وجائزة أفضل ممثل واعد، فضلاً عن عدة جوائز أخرى مستحقة بجدارة. استعان كازان بطاقم أثير لديه، ضم مدير التصوير هاكسل ويكسلر، والمونتير ديدي آلن، والمؤلف الموسيقي اليوناني مانوس هاتزِداكيس.

موضوع الهجرة مثير بلا شك، بحيث أن المخرج المصري الكبير يوسف شاهين كرس له أكثر من فيلم خلال حياته الفنية الحافلة، ومنها "اسكندرية.. نيويورك"، الذي يروي فيه أيضاً بصورة غير مباشرة ملامح من سيرته الذاتية، وقبله أفلامه الأخرى "حدوتة مصرية" و"اسكندرية ليه" و"اسكندرية كمان وكمان". كذلك أخرج شاهين فيلمه التاريخي ذي الإسقاطات الملتبسة "المهاجر"، والذي خلق جدلاً سياسياً واسعاً بسبب مفهوم "الأرض لمن يزرعها"، الذي عالجه أيضاً المسرحي برتولد برشت في مسرحيته "دائرة الطباشير القوقازية"، وهو مفهوم اشتراكي الطابع ظاهراً، لكنه يخفي مفهوماً خطيراً مفاده عدم وجود مانع أخلاقي من تعرض أرض الغير للغزو والاحتلال طالما أن الغازي يملك إمكانيات أفضل من سكانها الأصليين لاستصلاحها!

قي كل العصور، لا شك أن للهجرة أسبابها، وأهمها الفقر والحاجة، فالإنسان بطبيعته طموح لتحسين أحواله المعيشية، ناهيك عن رغبته في الهرب من التمييز الناجم عن تعصب ديني أو عرقي تجاه الاثنيات قليلة العدد. لم تتوقف الهجرة عند العرب يوماً، فالسوريون واللبنانيون اتجهوا غالباً إلى بلدان أمريكا الجنوبية، مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي، وأشادوا فيها أعمالاً ناجحة ومستشفيات، بينما استقر بعضهم في الولايات المتحدة، من جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي إلى حليم بركات، كما اتجه مهاجرون آخرون إلى أوستراليا وكندا وبعض الدول الاسكندنافية والأوربية. في القرن الحادي والعشرين، صار للهجرة دافع آخر لم يكن يخطر على بال، ألا وهو البحث عن الأمن والسلامة بعد أن أضحوا مشردين بلا بيوت تؤويهم. في نهاية عرض "هاملت" البريطاني في لندن قبل عامين، تقدم النجم بنيدكت كامبرباتش عند تحية الختام إلى مقدمة المسرح، أسكت جمهورالمتفرجين بإشارة من ذراعيه، وووجه نداءاً بليغاً أوضح فيه أن أولئك المهاجرين السوريين الذين يخاطرون بحياتهم وحياة زوجاتهم وأطفالهم بركوب أمواج البحر الهائجة على متن قوارب الموت إنما يهربون من خطر أفظع، ألا وهو الموت تحت قصف مدفعي أو جوي عشوائي. لذا، فإنهم يستحقون من الناس في الغرب الرحمة والتعاطف الإنساني، وأن ينالوا ملاذاً آمناً.

بالتأكيد، لا يوجد مانع قانوني أو أخلاقي يحول دون التحقق من خلفية المهاجرين، ومن كونهم لا يشكلون خطراً على المجتمعات التي يسعون للهجرة إليها، وأنهم لن يقترفوا جرائم في المستقبل تستوجب منعهم من اللجوء أسوة ببقية مواطني العالم. لا بد من التذكير بأن الأمن والأمان قضية حيوية مهمة حتى بالنسبة للمهاجرين أنفسهم ممن لجؤوا واستقروا في بلدان غير بلدانهم، جاهدين للتأقلم فيها بغض النظر عن جنسياتهم أو دياناتهم، أعراقهم أو أعرافهم. لكن يجب أيضاً الأخذ بعين الاعتبار أن دافع الهجرة في عصرنا لم يعد طموحاً إلى فرص عمل وثراء في أرض الأحلام، بل أصبح حاجة إنسانية لم يكن ملايين البشر سيقدمون على المغامرة بها إلى بلاد الغربة النائية التي لا يتقنون لغتها، ولا يألفون عاداتها وتقاليدها الاجتماعية ولا يملكون فرص عمل تناسب كفاءاتهم فيها لولا تعرضهم إلى خطر الموت أو الاعتقال. بالتأكيد، هرب عديد من اللاجئين من الاختيار المرعب بين أن يصبح واحدهم قتيلاً أو قاتلاً في حرب عبثية كل ضحاياها مواطنو بلدٍ واحد عاشوا بين ربوعه قروناً عديدة بوئام وسلام. لو دققنا بموضوعية وحياد، لوجدنا أن جرائم القتل الجماعي الرهيبة التي ارتكبت مؤخراً في لاس فيغاس ونيويورك، وفي قرية بالقرب من سان أنطونيو، قام بها أشخاص بيض مختلو العقل، دافعم الحقد أو الإحباط. إن ضمان الأمن والتصدي للإرهاب مسألة في غاية الأهمية، إنما لا علاقة لها بحظر لون بشرة أو جنسية معينة أو دين أو طائفة. لذلك، فإن توجس الغرب المبالغ فيه من كون بعض المهاجرين يخفون أغراضاً مشبوهة تتعلق بالإرهاب إنما هو هاجس مسبق يسيء فهمهم كبشرٍ هاربين من شبح الإرهاب.



الثلاثاء، 14 نوفمبر، 2017

جهود المديوني البحثية في تاريخ المسرح العربي

مجلة الفنون المسرحية

جهود المديوني البحثية في تاريخ المسرح العربي

بشار عليوي - المدى 

لعلَ واحدةً من أبرز أسباب عدم تطور الدرس النقدي والبحثي خصوصاً في المادة العلمية المُتعلقة بتأريخ المسرح العالمي والعربي داخل المعاهد والأكاديميات المسرحية العربية , هوَ غياب التحديث في ماهية المادة العلمية المُعطاة من قبل الأُستاذ , فضلاً عن عدم توجيه الطلبة نحو تبني المنهج الاستقرائي في التعاطي مع المادة المسرحية التاريخية , وثمةَ قِلّة قليلة من الأساتذة العرب ممن هُم نُقاد وباحثون مسرحيون يُعدون في الطليعة على مُستوى البحث والتنقيب في تاريخ المسرح العربي , قد أخذوا على عاتقهم تبني منهج التحقيق والاستقراء في إعادة قراءة تاريخ مسرحنا العربي بعيداً عن القوالب الجاهزة في التدريس والمعلومات التي تجتر نفسها , وخُصوصاً مع طلبتهم الذين أجدهم على درجة عالية من الحظوة حينما تهيأ لتدريسهم هؤلاء القِلَّة القليلة ومنهم الباحث والناقد المسرحي التونسي أ.د.محمد المديوني صاحب كتاب(حلقة موءودة في تاريخ المسرح العربي_دراسة وتحقيق) الذي صدر عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة ضمن سلسلة دراسات بالرقم/27 لعام 2016 , موضوع هذهِ المقالة.
ففي هذا السياق يُمكن القول أن هذا الكتاب الذي بدأ أُولى حلقات التُشِكُلّ حينما كان أحد حلقات الدرس الأكاديمي , هوَ إضافة معرفية هامة للمسرح العربي وتأريخهُ الذي على ما يبدو أنهُ بحاجة الى مُراجعة واسعة , إذ يؤكد د.المديوني على أن جهود كُلاً من د.محمد يوسف نجم من خلال كتابهِ (المسرحية في الأدب العربي الحديث) ويعقوب لاندو من خلال كتابهِ(تاريخ المسرح العربي) ترجمة : د.يوسف نور عوض قد تم اعتبارهما المرجع الثبت في تحديد تاريخ بدايات المسرح العربي بعد الاتفاق من قبل جميع الدراسين المُتصدين للكتابة عن هذا المسرح وذلكَ لمصداقية كِلا الباحثَين والهالة الاكاديمية التي أحاطت لهما وبأعمالهما , لكن كُلاهما لم يتطرقا بالتفصيل الى مقال نقدي عربي هام هو (فن التمثيل) للاديب اللبناني"نجيب حبيقة"والمنشور في مجلة المشرق اللبنانية عام 1899 في 6 حلقات متسلسلة اذ تكمن أهمية هذا المقال وفقاً للمديوني في وجود تجاهل وتقصير شديد من قبل جميع الباحثين في تاريخ المسرح العربي وفي مقدمتهم د. نجم لاندو تجاه هذا المقال على شكل تمويه معرفي من قبلهما عندما أتيا على ذكرهِ مما يستوجب وجود إشكال على مُجمل جهودهما البحثية , فضلاً عن القيمة العلمية الرصينة للمقال نفسهِ وهذا تمثل في استيعابهِ العالي لعدد من الأسس النظرية المتعلقة بانشائية الفن المسرحي بالتقارب مع جهود النقاد والباحثين الاوروبيين المعاصرين بالاضافة الى خروج المقال عن النهج الغالب في كتابات النخبة العربية الداعية لاستنبات المسرح في الأرض العربية وفي مقدمة تلكَ الكتابات خطبة مارون النقاش التي سبقت تقديمهِ لأول عرض مسرحي عربي في بيروت بوصفها منهاج عمل للمُمارسة المسرحية في البلاد العربية وإمكانية استنباتها , وهُنا تكمن أهمية الجهود البحثية للباحث د.المديوني عبرَ كتابهِ هذا الذي نشر نص المقال كاملاً وبصورتهِ الأولى كي يكون في مُتناول الجميع ومُرفقاً معها الهوامش التحقيقية الخاصة بكُل جُزء منها ومحاكاة متن المقال مع السياقات اللغوية والنقدية على حدٍ سواء , وبالتالي تم تخصيص الكتاب لدراسة وتحقيق مقال نقدي عربي على درجة عالية من الأهمية بحلقاتهِ الست وما يُمكن أن يُمهد لهُ متن تلكَ الحلقات من الوقوف على أهمية المسرح وآليات الأشتغال فيهِ من قبل العرب فضلاً عن إلمام"حبيقة"بأهم التنظيرات الاوروبية الخاصة بالمسرح وعلى تمثلهُ لأهم المقولات التي حددها شُراح كتاب"فن الشعر"لأرسطو , لذا فأن المؤلف د.المديوني يؤكد فيما يخص مقال"فن التمثيل"وكاتبهِ نجيب حبيقة , على (ندرة ذكرهما في كُتب المعنيين بالتـاريخ للمسرح العربي عامة والمسرح الشامي منهُ بشكل خاص.... لقد تجاهلهُ الباحثون في مجالات المُصطلح المسرحي في اللغة العربية تجاهلاً تاماً سواءً منهم الذين خصوا هذا المجال بأبحاث أكاديمية في الجامعات العربية والأوروبية) وبالتالي فإننا إزاء أننا ريادة ثانية للمسرح العربي تلي ريادة مارون النقاش المُتفق عليها، حينما توفرت في هذا المقال كل سمات الريادة رغم مظاهر جهل مؤرخي المسرح العربي بهذا النص ورغم تجاهل عددٍ ممن استفادوا منه استفادة مباشرة وصريحة وهوَ ما يستعرضهُ كتاب د.المديوني الذي يقع في 237 صفحة من القطع المتوسط , بوصفهِ مثالاً حياً لجهودهِ البحثية الرصينة في سبر أغوار تاريخ المسرح العربي , جديرُ بالذكر أن د.محمد المديوني هوَ أستاذ في التعليم العالي في جامعة تونس و يُدرس في المعهد العالي للفن المسرحي الذي الذي أشرفَ على تأسيسه وإدارته لسنوات عديدة ود.المديوني معروف بمكانته العلمية وبحوثه وكتاباته النقدية وإشرافه الإداري فهوَ أستاذ ومحاضر في المعهد العالمي للغات والحضارات الشرقية بباريس (INALCO).ورئيس ومؤسس لمهرجان تونس الدولي للفيلم الروائي القصير وأستاذ أول بمدرسة ترشيح المعلمين بتونس عملَ ملحق بوزارة الشئون الثقافية التونسية كُلفَ بإدارة الدراسات في المعهد العالمي للتنشيط الثقافي , ومساهم في إنجاز برنامج التكوين والتكوين المستمر، الموجهة للطلبة وللإدارات المشرفة على المؤسسات الثقافية بتونس , وعضو في مجلس إدارة مؤسسة المسرح الوطني التونسي , وهوَ مدير الدورة التاسعة للمهرجان الدولي لأيام قرطاج المسرحية وعضو الهيئة المديرة لهُ ورئيس شرفي للجامعة التونسية لنوادي السينما وعضواً فيها وعضو الهيئة المديرة لأيام قرطاج السينمائية , لهُ العديد من الإصدارات النقدية المسرحية (الاشكاليات النقدية في المسرح) و (المسرح في تونس) و(اشكاليات تأصيل المسرح العربي)... وغيرها.

الجمعة، 10 نوفمبر، 2017

الفضاء العمومي ومسرح الشارع

مجلة الفنون المسرحية

الفضاء العمومي ومسرح الشارع


عبيد لبروزيين - مجلة الفنون المسرحية 


يرتبط مسرح الشارع بالفضاء العمومي، هذا الفضاء الذي أصبح مفهوما فلسفيا في المدرسة النقدية الألمانية مع أحد رواد الجيل الثاني، يورجين هابرمارس، هو مكان متاح لجميع المواطنين، وحاضنة للرأي العام، يشكل وحدة السياسة والأخلاق عند كانط. غير أن الإلمام به، يستوجب تتبع التطورات التي طرأت عليه عبر التاريخ، حيث كان قبل الثورة الفرنسية يتشكل من رجال البلاط والسلطة والكنيسة في النظام الفيودالي، بيد أن الثورة الفرنسية، أفرزت تحولات اجتماعية عميقة، فتحول الفضاء العمومي إلى حاضن للنخبة البرجوازية، أو الأنتلجنسيا، ومنذ ذلك الحين، أصبح مكانا تناقش فيه السياسة و"مسرحا" للأدب والفرجة.
عندما أصبح الفضاء العمومي على هذه الشاكلة، استغلته البروليتاريا والطبقات الشعبية، لإقامة عروض فرجوية مقابل المسرح البرجوازي، وأقصد التراجيديا والكوميديا في القاعة الإيطالية، وتم بذلك الإعلان عن بداية مسرح يقام في الساحات العمومية، والمقاهي، وأمام المسارح، والشوارع بأسلوب بسيط.
وقد شهدت فرنسا أولى العروض في شارع البولفار الذي كان "في القرن التاسع عشر اسما لبولفار في فرنسا، اشتهر بإيواء الجريمة (وقد دمر سنة 1862) عرف أيضا في هذا المجال بولفار سان مارتان وبولفار دوتومبل اللذان كانا "مسرحا" لمشاهدة تمثيلية هازجة وغامضة وبهلوانيات" باتريس بافيس، ص: 547
مسرح الشارع بهذا المعنى، مسرح يعرض في الأماكن العمومية، تقوم به عادة الفرق الجوالة، وهو يعتمد عناصر سينوغرافية بسيطة قابلة للحمل والاستعمال، وقد كان قبل سنة 1900م يشمل عروض الميم والبانتوميم وعروض السيرك. غير أنه بعد هذا التاريخ، ستضاف إليه أبعاد أدبية ودرامية، خصوصا بعد أن كتب نصوصه ثلة من الأسماء البارزة في ساحة الأدب، فظهرت عروض مسرحية في الشارع مثل "جون من القمر Jean de la lune  " سنة 1931م لمرسيل أشارد، و la petit hutte  سنة 1947م لأندريه روزين. وبعد هذه التجارب الناجحة، إنضاف إلى هؤلاء الكتاب جملة من المؤلفين من أمثال مرسيل بانيول وجون أنوي، ليأخذ هذا النوع من المسرح نوعا من المشروعية، خصوصا بعد أن ذكر في المعاجم المسرحية والفرجوية.
وعلى العموم، يمكن رصد اتجاه مسرح الشارع الدرامي مع ساشا كوتري سنة 1911م بعرضه un beau mariage  قبل أن ينضاف إليه ألفريد صفوار 1883-1934 وموريس داني 1859-1945 وبول جغاردي 1885-1983.
مسرح الشارع إذا، مسرح يقوم على تنظيم عروض مسرحية في الفضاءات العمومية، بأدوات بسيطة، وهو ينقسم إلى قسمين: مسرح الشارع الشعبي (حركات بهلوانية، سيرك، ميم، بانتوميم)، ومسرح الشارع الدرامي، وهو الذي تكون فيه النصوص الدرامية، ويراعي شروط العملية المسرحية. وعنه يقول باتريس بافيس "هذا النمط من التقليد المسرحي تأسس سنة 1907، وأفضل مثل أنه تطور بتأثير مضاد للكتابة "الثقيلة" القائمة على التخلي عن الموظفين الفنيين والتقنيين، وتعدد الديكورات وغناها، والأهمية الفائقة للجمهور في الصالة الإيطالية والخشبة المركزية أو مسرح الجماهير" باتريس بافيس ص: 547.
وبناء على ما سبق، نؤكد على ارتباط مسرح الشارع بالفضاء العمومي، باعتباره مفهوما فلسفيا، عرف تحولات جذرية عبر التاريخ بسبب التغيرات السوسيوثقافية، وأصبح فضاء متاحا لكل المواطنين، وخصوصا ما سماه كارل ماركس بالطبقة التحتية، وفي خضمه ستنطلق الإرهاصات الأولى لمسرح يبحث عن جمهوره خارج القاعة الإيطالية بإمكانيات بسيطة وتطلعات تعبيرية أكبر. 

الخميس، 9 نوفمبر، 2017

نحو مسرح بديل – العيادة المسرحية انموذجاً

مجلة الفنون المسرحية

نحو مسرح بديل – العيادة المسرحية انموذجاً 

 د.جبار خماط حسن


تعددت مناهج الفن المسرحي ، بقصد الوصول إلى التأثير والتفاعل مع الجمهور، الذي ينتظر عنصر الدهشة اساساً التفاعل وديمومة تواصله مع العرض المسرح، منهم الطريق الإيهامي واللايهامي، ومنهم إتخذ تفعيلا تجريبا في معالجة الموضوعات الراهنة، كل هذه المعالجات تقدم المنتوج المسرحي الجاهز، وما على المتلقي سوى استقبال ذلك المنتوج بالقبول أو الرفض بحسب جودة المنتوج جمالياً وبنائياً، هذه العلاقة البندولية، غير المستقرة، مع حاجات الجمهور الفكرية والنفسية والاجتماعية، كان وراء التفكير في منهج بديل ، يتبنى مسرحيا عياديا ، يصنعه الناس البسطاء في كل مكان.
اذا تغيرت العلاقة من مسرح نخبوي جاهز ياتيه الجمهور  إلى مسرح يذهب إلى الناس ، يصنعوه بأدوات التلقائية والبساطة ؛ لأنهم أبناء الهنا والان ، لا تعقيد في العرض المسرحي ولا تسطيح ، بل أمر بين أمرين ، مسرح حميمي ، يقدمه ممثل حميمي يتفاعل مع الجمهور على نحو تلقائي ويسير وعميق .
ولهذا أنطلقت العيادة المسرحية ، من استبصار التاريخ المسرحي بتجاربه المسرحية ، التي كانت تميل إلى تنقية المكونات النفسية والاجتماعية الجمهور ، من خلال ما يشعر أو تمر به الشخصيات المسرحية ، وبالتالي اصبحت العلاقة افقية ما بين مرسل/ الممثل ومستقبل/ المتلقي ، من دون إعادة تكوين أو تدوير تلك العلاقة النمطية  ما بين العرض والجمهور .
تسعى العيادة  المسرحية إلى ، تدوير المتراكم المسرحي من مهارات الناس الذين لا يعرفون المسرح ولم بتواصلوا مع عرض مسرحي! ، تذهب العيادة الى الناس وتعيد بناء ذواتهم من جديد ، بوساطة ابتكار المستقبل ، الذي يؤدي بالمشارك في العيادة المسرحية ، إلى بناء الثقة لدى الناس واكتشاف قدراتهم الذاتية الإبداعية ، كانت غائبة عنه ،تاتي العيادة لاكتشاف وتطوير تلك القدرات في عرض مسرحي يقدمه المشاركون في العيادة الذي يشترط فيهم ان يكونوا غير محترفين أو هواة .
تهدف العيادة إلى التخفيف من آلام الناس واحباطاتهم ، بسبب الظروف الصعبة والحروب التي تركت في نفوسهم  جفافا في التواصل مع الاخر وفقدان اتجاه بوصلة وجودهم مع المستقبل ، ولهذا يمكن عد العيادة المسرحية ، منهج ادائي يرمم المشكلات ويعالجها بالتمثيل المسرحي ، الذي يمتلك القدرة على الإتيان بالمستقبل بوساطة الابتكار  الذي نشترك فيه جميعنا بنسب متفاوتة ، الأمر الذي يسمح بتطوير قدرات المشاركين الذهنية مثل التخيل والتركيز والاسترخاء ، والقدرات الصوتية والجسمانية ، التي يمر بها المشارك، شرط ان تكون فاعلة وقادرة على الإمساك به داخل الجرعة التدريبية ، ولهذا تميل العيادة إلى تقديم وجبة التمارين التي تعتمد اللعب والتلقائية  ، سبيلا للتواصل والتأثير بالمشاركين  .
ولان  العيادة  تدعو الى معالجة هموم الإنسان البسطاء ومشاكل المجتمع الذي يعاني  هيمنة الحروب وأثرها في هزات البنية المجتمعية والقيمية ، نجد ان  الهيئة العربية للمسرح   أولت اهتمالا ملحوظا وتواصلت  مع العيادة ، و نثمن سعيها الكريم  لمشاركة العيادة  المسرحية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي.  وجاءت الدعوة الكريمة من مهرجان القاهرة ، للمشاركة في فعالياته المميزة ، ضمن مجال الورش المسرحية ، إذ قدمت ورشة العيادة المسرحية في قاعة صلاح عبد الصبور ، ضمن مسرح الطليعة ، التي تفاعل معها المشاركين بزخم عال.
تفاعل المشاركون مع أهداف العيادة وتمارينها اليومية ، إذ توزعت العيادة عبر ثلاثة أيام من عمر المهرجان ، وما ميز اللقاء استدامة العيادة في مشاريع مستقبلية ، إذ توزع المشاركون على خمس مجموعات ، لكل منها موضوع حيوي في الحياة المصرية.
وتعتمد العيادة المسرحية العلاج بالمستقبل ، وحسب علمي فان أغلب الطرق العلاجية، التي تأخذ من المسرح طريقا للعلاج ، تعتمد العودة إلى ماضي الحالة المرضية ، التي تقوم عليها السايكودراما  التي أطلقها الطبيب النمساوي( ( جاكوب مورينو )) سنة 1921، والذي يقوم باستعادة خبرة المريض السابقة ، بقصد حلها ، وبوجود ممثلين محترفين ، لكن وجد مورينو ، من خلال الملاحظة؛ أن حالة المريض لم تتحسن ، بل تتفاقم بسبب استعادة العقدة من دون حلها ، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز الحالة المرضية لديهم..

في رايي ان المسرح بشكل عام ، طاقة علاجية فكرية وشعورية ،تتفاوت درجاتها حسب المعالجة المسرحية التي يعتمدها المخرج المسرحي  ، وبالتالي  حين تاملت تلك الطريقة ، وجدت أن صناعة الثقة مفقودة لدى المشاركين ، وغياب المستقبل لديهم والذي يحقق طاقة إيجابية ، وهنا جاءت العيادة كمنهج  مسرحي ، يتواصل ويتفاعل مع الناس في كل مكان ، بهدف تعزيز مهاراتهم الاولية ، وإنتاج سلوكيات جديدة لديهم قابلة للاندماج والعودة مرة أخرى إلى الحاضنة الاجتماعية، مثلما حصل لدى السجناء والمدمنين ومصابي السلاح الكيمياوي الذين تواصلت معهم العيادة المسرحية ، في مشاريع مسرحية ، اثنى عليها أغلب المتابعين للشأن المسرحي.

للعيادة  ثلاثة أسس :
– الأول علاجي ، يفترض تحويل السلبي إلى إيجابي / الأساس الثاني هو المهارة ؛ تعلم مهارات الأداء التمثيلي ؛ الذي يتسم بالبساطة والتلقائية / الأساس الثالث تواصلي ؛ إيجاد بيئة تواصلية ما بين مجموعة العيادة المسرحية، من ممثلين يقدمون شخصيات من تيار الحياة..
وهنا تتحقق فرضية المسرح البديل الذي يصنعه الناس البسطاء أو المنسيين في كل مكان بعيدا عن المسارح التقليدية ذات الطابع الرسمي . ولهذا أجد في العيادة المسرحية تاصيلا علميا وفنياً، يتمثل في إنتاج بيئة ثقافية جديدة ، يصنعها المسرح في عيادته ، من خلال مشاركين  يصنعون حياة مبتكرة ، من خلال إعادة بناء واقعهم السلبي، وانتاج نسق حياتي جديد يؤمنون به ، بالتالي هذا التحول هو تأصيل علمي وعلاجي ، لا يعتمد الطرق العلاجية التقليدية ، من أرسطو ومرورا بديدرو وانتهاءا بجاكوب مورينو ، الذي أطلق مصطلح السايكودراما ، لعلاج المرضى في المصحات النفسية  .
لقد مرت العيادة المسرحية ، بثلاثة مشاريع ، الأول كان في سجن الأحداث ، تعاملت مع فرضية حل مشكلات السجناء الأحداث وكيفية معالجتها وتحويلهم من السلبي إلى الإيجابي؛  التي تعيد خارطة طريق حياتهم نحو الاندماج الاجتماعي  ، التي يفقده أغلب السجناء ؛ وإذ تواصلت معهم العيادة ، تغيرت أمزجتهم وافكارهم ، لأنهم دخلوا بيئة الإبداع، واكتشفوا قدرات إدائية جديدة ، كانت مفقودة لديهم. والغريب أن مساحة الارتجال لديهم واسعة ، واقتراحات الشخصيات التي قاموا بتمثيلها كلها إيجابية؛ لأنهم يشعر ون ان هذه الشخصيات التي قاموا بتمثيلها هي بديل موضوعي ، يعوض اضطراب شخصياتهم والظروف المحيطة بها ، والتي دفعتهم للجريمة ، لقد وجدوا ذاتهم الضائعة داخل العيادة .
ومثل ما حصل في سجن الأحداث ، حدث مع متعاطي الكحول والمخدرات ، هؤلاء المدمنين دخلوا العيادة المسرحية ، تدربوا على مهارات مسرحية ، وتدريبات صوتية وجسمانية مكثفة ، واتخذوا طريق التحدي ، بقصد التخلص من الإدمان ، لقد مثلوا شخصيات إيجابية. بالتكرار اليومي داخل العيادة المسرحية ، تحولت إلى مخزن الذاكرة طويلة الأمد ، وهذا يعني إيمانهم بسلوك جديد ، يعتمد بنية قيمية تتقاطع مع الإدمان الكحولي والدوائي، الأمر الذي دفعهم إلى ترك الإدمان وسط دهشة الأطباء في مستشفى ابن رشد التدريبي للطب النفسي ، والذي كان مكان تقديم العرض المسرحي “يوميات مواطن منسي” تأليف وتمثيل مجموعة من المدمنين .
اما التجربة الثالثة ، فكانت مع مصابي السلاح الكيمياوي ، هؤلاء الذين يشعروا بالعزلة والاحباط وصعوبات في التنفس ، دخلوا العيادة ، تدربوا  وابدعوا نصا مسرحيا ، مثلوه باتقان في قاعة مديرية صحة حلبجة ، ومن لا يعرف حلبجة ، هي مدينة تعرضت للقصف الكيماوي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.



العيادة المسرحية ومقاربات الفلسفة

مجلة الفنون المسرحية


العيادة المسرحية ومقاربات الفلسفة 

د. جبار خماط حسن

يعرف (( ارسطو )) مفكر دولة المدينة ، مزاج المواطن اليوناني ، وحبه للديمقراطية ، فانتبه إلى ، أن الفن أقرب إلى تلك الروح الايجابية التي تجمع المواطنين ، فانتج لنا كتاباً يعد مفتاحاً للمواطن الصالح ، الذي يعمل الفن الدرامي على تطهيره من نوازع الاخطاء الماساوية ، التي قد تمزق النسبج المجتمعي ، بسبب اخطاء بعض الافراد . إن الدراما تصنع حياة ايجابية من بين الصراعات السلبية التي تعمل في داخلها ؛ ولذلك لا مكان للشفقة والخوف على مصائر الناس التي تعمل على تهديم روح المواطنة في المدينة . لقد اوجد لنا ارسطو في كتابه فن الشعر ، بعداً علاجياً منهجياً ، يصنعه النظام ويسعى اليه بالفعاليات الاجتماعية ، ومنها فن المسرح، لانه طاقة ايجابية يحتاجها الشعب . ويمكن القول ان ارسطو حين وضغ تعريفه الشهير للتراجيديا ، بانها محاكاة لفعل نبيل ، فانه بهذه الكلمات قد لخص منظورا ارسطو واقلاطون على حد سواء ، اذ نجد ارسطو يقول كل شي نافع هو جميل ، وهذا يتطور في درجته ، وصولا للافعال الاخلاقية ، التي تكون نافعة قي تدعيم النسبج المجتمعي ، وبالتالي ينبغي ان تكون نبيلة براي افلاطون الذي راى ، أن ما نراه في حياتنا اليومية ، قابل للاندثار والفساد ، ما عدا تلك الأفعال التي في جوهرها ، نصيب من الحق الاخلاقي الذي يتفاعل معه الناس وتحترمه ، ولهذا نقول ان الفعل البيل لدى ار سطو ، حاصل جمع الخير السقراطي النافع اجتماعيا ، بالحق الافلاطوني الاخلاقي ، الذي لا يصل اليه الا من امتلك القدرة على تجاوز المحدود ، والدخول في نوع من التميز الانساني ، ولهذا ، قال ارسطو أن متطقة الدراما ، ما ينبغي ان يكون ، وهنا يكون راي ارسطو متمحوراً حول خطاب الدراما في افق المستقبل الذي يتماشى مع الدهشة واللامالوف . يمكن القول ان أرسطو اقترب من البعد العلاجي الذي تسعى اليه العيادة المسرحية، التي تسعى ألى فعل تكوبيي يقترحة المعالج ، يكون قابل للتداول مع تنوع الزمان والمكان . إن العيادة المسرحية تمثل مقترحا علاجياً لهموم الناس والوطن ، اثبت نجاحه بالتجربة ، وبرهن على ارادة الانسان وقدرتها على صنع مستقبل جديد ، يغادر الماضي ، ويؤسس من حاضر التجربة العلاجية ، مستقبلا قابل للتداول بين الناس ، يمثل المجتمع العراقي بطبقاته ومكوناتة ، طاقة العيادة المحركة التي تبني بالابتكار والقدرة على صناعة مستقبل جديد ، تصنعه العيادة المسرحية . لقد اوجد لنا الفيلسوف (( شوبنهاور )) تفسيرا للوجود والانسان ضمن مفهوم العالم إرادة ، اذا مثلما هناك ارادة قاسية وعمياء تخلق الفوضى في العالم ، من حروب ومجاعات وتهجير ، ثمة إرادة الانسان ، التي تعيد التناغم الموجود في الذات والمحيط . لذلك حين نواجه الحياة الاجتماعية بالبحث والتحليل ، نجد انها تعيش ثلاثة معوقات ، فكرية وسلوكية وتواصلية ،العيادة المسرحية مقترح علاجي لها ، قابل للتطبيق ، يهدف إلى إنتاج عروض مسرحية لها; القدرة على التداول والتفاعل; مع الجمهور باختلاف المكان والزمان ، ولهذا نجد فكرة العيادة المسرحية ، تقوم على معادلة الذهاب الى الجمهور في الاماكن التي تعاني ازمات ، يراد حلها ، بطرق تتكفل بعلاجها والتخفيف منها قدر المستطاع ، مثل السجناء والمدمنين ومصابي السلاح الكيمياوي ، وغيرها من الحال; التي ستذهب اليها العيادة ، وإذ نُسال ، من هم الممثلون ؟ وكيف يمثلون ؟ واين يمثلون ؟ الجواب ، هم اولئك المنسيين والذين يعيشون على هامش الحياة ، يعانون قسوة الظروف التي حولتهم الى بشر – بنظر الاخرين – لا يمكن الاتصال بهم ، بل واجب عزلهم مثل السجناء والمدمنين !! العيادة تتجاوز هذه النظرة النمطية ، وتعيد الثقة بهم ، وتتواصل معهم ، وتحولهم الى مبدعين ! كل هذا يحققه فن التمثيل ، الذي يتطلب مهارات وقدرات صوتية وجسدية ، فضلا عن الخيال والتركيز والاسترخاء ، واكتشفت العيادة المسرحية ، في تجربة السجناء والمدمنين ، ان المشاركين يؤمنون بالتمثيل ويتفاعلون معه ، لانهم يكتشفون انفسهم من جديد ، وهذا يتطلب منهم الارادة على صنع خبرة مستقبلية ، يقومون بتاليفها ، وهذا يعني ، تحفيز قدرة الابتكار لديهم ، بمعنى يصنعون بخيالهم وتصوراتهم عجينة المستقبل المسرحية ، يؤلفون نصاً من واقع حياة الناس وليس حياتهم ، يقدمون خبرة جديدة للناس من خلال عرض مسرحي ، يقومون يتمثيل شخصياته المسرحية ، وهنا يتحول المشارك في العيادة المسرحية ؛ الى قائد رأي مسرحي ، وقد يسال احدهم ، ماهو النص الذي يمثله المشارك في العيادة المسرحية ؛ هل يكون جاهزا ، أم مكتوبا سابقا ؟ قطعا لا ، النص يكتب بطريقة جماعية ، السجناء كتبوا نصا ، والمدمنون كتبوا ايضا ؛ كذلك مصابي السلاح الكيمياوي ، كتبوا نصأً مسرحياً ، تفاعل معه الجمهور ، حين مثلوا في مسرحية ” أنا موجود ” في قاعة مديرية صحة حلبجة ، لانهم لأول مرة يروا اخوانهم واصدقائهم من المصابين ، يمثلون بمهارة ، ويقترحون حلولا لبعض المشكلات التي يعانون منها . ان الفيلسوف الالماني (( هيغل )) أشار الى عودة الذات بعد ضياعها ، في زخم وتراكم الاحباطات بسبب اكراهات الواقع المازوم ، لان الانسان له القدرة على ابتكار واقع جديد ، من خلال جدلية الاضداد بين الوعي و الوجود ، انه محاولة اكتشاف الذات في حالة جديدة ، يتفاعل معها الجمهور ، وكانها خبرة جمالية تحدث في الهنا والان ، تحقق تواصلا فاعلاً مع الجمهور .
تسعى العيادة الى ايجاد الممثل الحميمي في مختبرها العلاجي ، يمتلك التعبير اليسير ،الذي يتفاعل معه الجمهور ، الممثل في العيادة المسرحية هو الموجود في كل مكان ، يأخذ بصدق جرعة التدريب ، وينتمي الى مستقبل ، يصنعه علاجيا ، يبدا من الذات وينتهي بالاخر ، يؤدي بتلقائية وانتماء للحياة في تيارها المتنوع ، نجدها لدى المشارك في العيادة المسرحية ، لينتج عرضاً مسرحياً ، لا تعقيد فيه ولا مبالغة مفتعلة ، بل مزج عضوي بين صدق الاداء ، وتواصل الجمهور معه . لان العيادة لها فرضيات تحدد مسار اشتغالها مع المستفيد ، والتي تتمثل بالاتي : 1- لا تتكلم من دون معرفة ، ولا تكون لديك معرفة من دون فهم . 2- التعبير طاقة لدى الجمبع ، نتقنها بالايمان والمثابرة . 3- الجسد ثقيل ، يكون مرنا حين تكون الطاقة الايجابية عالية . ان للعيادة المسرحية عناصر اساسية ، تتحرك بوساطتها نحو التفعيل الجمالي المشترك الذي يستقبله المستقيدون منها ، باطار المعرفة والشعور والاداء الجديد في حياتهم ، ويمكن حصر العناصر المكونة للعيادة المسرحية بالاتي : 1- المعالج المسرحي : وهومدرب مسرحي في العيادة المسرحية ، ويشترط فيه قدرته على التاليف والاخراج والتمثيل ، حتى يكون مقنعا ومؤثرا في تواصله مع المشاركين في العيادة المسرحية . 2- المستفيد : هو المشارك في العيادة المسرحية من الحالات التي تسعى العيادة المسرحية الى علاجها . 3- الجرعة المسرحية : هي مجموعة من التدريبات الصوتية والحركية وقدرات ابتكار النص المسرحي ، فضلا عن التمثيل المسرحي . 4- الممكنات الموقفية : تشمل مفردات البيئة التي تجري فيها التدريبات ، وامكانية استثمارها في العرض المسرحي الذي يكون في نفس مكان التمثيل . وهنا يمكن إثارة استفهام يختص يالمسرح العلاحي، هل يكون ضرورياً في وقت الازمات والحروب ؟ المسرح العلاجي له طرقه وادواته ، منذ ارسطو في مفهوم التطهير وتقنياته في التخلص من الاثار السلبية التي تمر بها الشخصية الدرامية ، كذلك قدم لنا المفكر ديدرو ، مفهومه عن التطهير العقلي الذي يسمح لنا بالمراقبة والمتابعة العقلية لما يجري من الاحداث على خشبة المسرح . ثم جاء الطبيب جاكوب مورينو في فينا ، وقدم لنا ( السايكودراما ) التي طبقها في مصح للامراض النفسية ، اذ قام بمحاولة معالجة بعض الامراض النفسية ، مثل القلق والمخاوف المرضية ، وبعض حالات الكابة ، اذا يحاول ان يمثل حالة المريض واسترجاعها امامه ، من قبل بعض الممثلين المحترفين ، ومساعدة بعض المرضى ، لكنه وجد ان استرجاع حالة المريض التي تمثل ماضي مخزون في ذاكرة المريض ، تؤدي الى تعزيز حالته المرضية.ولذلك تجد العيادة المسرحية ان تمركز المسرح العلاجي حول ماضي الخبرة المرلمة من دون تحويلها الى خبرة جمالية جديدة ، قد لا تحقق العلاج الجمالي الذي تسعى اليه العيادة المسرحية، بل ينبغي فتح نوافذ فكرية وجمالية للمشتركين ، حتى تتم تلك النقلة الابداعية من السلبي الى الإيجابي، وهنا تتحق فرضية المسرح في تعزيز الثقة المجتمعية وبناء التواصل الايجابي بين مكونات المجتمع.

الثلاثاء، 7 نوفمبر، 2017

جمالية الفن التصويري الابتكاري في المسرح التعبيري الراقص

مجلة الفنون المسرحية

جمالية الفن التصويري الابتكاري في المسرح التعبيري الراقص

ضحى عبدالرؤوف المل  - المدى 

استثار الرقص والضوءعبرالمادة وتفاعلات الظل بين الجسد وماورائيته العدسة التصويرية الفنية ل" لودفيك فلوران" ludovic florent) )ودفعه نحو رغبة الاستكشاف الاختطافي لتصويرغبار الضوء في الظل بعمق فني مع الرقص والإيقاع الحركي للمادة ومؤثراتها القوية في التناغم مع الجسد الراقص أمام عدسة تلتقط الصدى الضوئي، بتضخيم لأجزاء حبات الرمل او الدقيق ، ليعزز جمال الجسد من خلال الرقص مع الغبار في ازدواجية يحاكي من خلالها جمالية الفن التصويري الابتكاري على المسرح التعبيري الراقص. فهل تشكل التربة المسرحية قوة الاداء التصويري بعدسة تبحث عن الابتكار؟ 
تبلغ جدلية التصوير الفوتوغرافية ذروتها عندما نتحدث عن التصوير الفني الذي يجعل من الصورة قيمة تخطيطية مسبقة لبلورة الأفكار التي تنتج عنها بشكل راقص أو مسرحي أو درامي أو حتى تلك التي يستخرج منها ما تستحقه من ابتكار خلّاق يؤدي وظيفة جمالية تلتصق بالفلسفة والادب، والدراما والمسرح وحتى السياسة. ان غريزة الضوء تثير الحس الذوقي الفني عند الفوتوغرافي فيتأمل حركة الظل التي تنتج الشعور بأهمية الرسم بالعدسة، وما ينتج عنها لكن بالتأكيد تصبح طريقة التلاعب باخراج الصورة هي فن أيضاً لا يقل أهمية عن التقاطها . إلا أن الطابع الشخصي للبصيرة والإدراك والملكة الفنية هي التي تبرز قوة هذا الفن وضعفه عندما تخرج مهنة التصوير من الوظيفية الى الفنية والخلق الابداعي والاستيلاء على كينونة الرؤية من خلال العين وخاصيتها الحساسة المنسجمة مع العدسة كوسيلة للتعبير، وفقا لدرجات الدقة الابتكارية في التقاط الهدف وبتفاوت بين المفاهيم . اذ يبلغ الترتيب الفوتوغرافي جدلية في تصنيفه والحصول على رتبة مقترحة من الفنانين انفسهم وخاصة من الذين يشتغلون على الصورة الحركية على مسرح أو سينما او حتى في الدراما . 
انثروبولوجيا فوتوغرافية تختصر التكوين الضوئي عبر الحركة ، وغموض التلاشى الفراغي المحفز، لإعادة إحياء الجماد بتنوع يحتفظ بصور الكائنات التي تتناغم مع حركة الجسد والألفة القابضة على لحظة حيوية من الحياة الغامضة، لكائنات يتفاعل معها الإنسان باحترافية ينتج عنها معرفة مصحوبة بتطوير تقني سلبي ايجابي، وبتوازن متناقض رياضياً في ظل المتغيرات الحالية في العالم حيث اتخذت الصورة عدة مسارات كالصورة الفوتوغرافية في الأزياء وفي اللقاءات السياسية وفي الريبورتاج، والوثائقي والتصوير الابداعي للمسرح الراقص الذي نحن بصدده في هذا المقال، وأيضاً عبر الفيديو كليب أوالسرعة البصرية المتفطعة والمتشكلة من عدة مفاهيم تصويرية تصل لحد الهوس، والربط الفلسفي أو الماورائي. كما في اسلوب الفنان "لودفيك فلوران" والتمثيل الحركي أو الراقص المؤدي الى استخراج صدى الجسد، وكأن للجسد المادي صداه التفاعلي مع الظل والضوء والمادة غير المرئية بالعين المجردة، التي ينتج عنها عدة تفاعلات لكل منها لوحة بصرية مستقلة تشكل إبداعاً في رؤيتها وأبعادها الثنائية والثلاثية على خشبة المسرح إن شاء التعبير. لأنها تلتقط مع الرقص والتأليف الفوتوغرافي. 
تتدفق الأحاسيس الضوئية لاستجلاب البصر ودفعه نحو اكتشاف ماهية اختلاط المادة مع حيثيات الحركة وتشكلها المادي حين تمتزج مع العناصر الحسية والضوئية. اذ تلتقط عدسة الفنان "لودفيك فلوران" جزءاً من الصورة غير المكتملة ، فهي تتضح كجزء من ثانية استطاع تشكيلها الضوء، وأبهرت الحس الفني عند الفنان الذي استطاع خلق حركة ضوئية يرسم من خلالها الصور الفوتوغرفية بفن انثروبولوجي يعتمد على الجسد، والهالة المادية للضوء التي تتخطى بأشكالها التقاء الحركة بحركة أخرى. لاستخراج الصدى البصري الذي ينتج عن ذلك، وهو تحليل كيميائي تنتزعه العدسة من لحظة تكوين هي اختفاء الواقع بين فيزيائية الجسد وكيميائية الحركة الابتكارية في الصورة الفوتوغرافية. 
تكشف عدسة" لودفيك فلوران" عن هالات غير مرئية تتناغم مع الجسد بقوة المادة للأشياء من حولنا ، وروحانيتها التي تشارك جزئيات الحركة العابرة في مجالات مغنطسية تحيط بالجسد. فتشكل تناغمات راقصة يبسطها بغبار الرمل أو أي مادة حساسة للضوء. بكيميائية لها تحوّلاتها ومتغيراتها الحركية التي تسمح للجسد بالتقاطها ايضا ، كأنه يبحث عن الروح المحركة للمادة والضوء الذي يغمرها. لمنحها الحيوية المخفية القادرة على إبراز ظهور الاشكال المختلفة الناتجة عن دوران حبيبات الغبار التي استفزت عدسة لودفيك ودفعته الى هذا الخلق الابداعي، وسلطته الفنية في رسم اللوحات أو الصور الفنية الجدلية إن شاء التعبير. 
يتضمن التصوير الفني الفوتوغرافي قوة درامية راقصة ايحائية مسرحية تساعد على التأثير البصري حين يراها المشاهد بشكل مستقل بعد انتهاء العرض. ليدرك قوة الحركة التي لم تلتقطها العين المجردة، واستطاعت العدسة الضوئية التقاطها بأقل من جزء في الثانية، ورسمت ما يذهل الحس لاكتشاف انعكاس قيم فنية كثيرة تعتمد على الفيزياء والكيمياء والرياضيات، والاتصال الرومانسي في مساحة تتميز بقوة نقاطها وتباعد عناصرها، وايضا سينوغرافيتها المصممة تصميما وفق الابعاد المدروسة بدقة من قبل الفوتوغرافي وحساباته مع الضوء والظل والعدسة، وقوة الانكماش والانفلات .فهل سنشهد فلسفة للصورة الفنية ونقاطها المحورية في التنافس المسرحي أو الدرامي أو التكوين الحركي التمثيلي أو الرقص التعبيري الحديث القائم على معجزة الجسد في إبراز قوة الوجود وما ورائياته أيضاً؟

الثلاثاء، 31 أكتوبر، 2017

محمد مرسي على مسرح شكسبير

مجلة الفنون المسرحية

محمد مرسي على مسرح شكسبير

احمد عمر - عربي 21


هل يمكن تحويل مأسوات شكسبير الدامية إلى عروض كوميدية مضحكة؟

يقال في مدارس المسرح وفن الدراما؛ إن الموت يجعل الكوميديا تراجيديا. يضرب بو علي ياسين المثل في شرح أحد أنواع الضحك الشهيرة، وهي سقوط الرجل الوقور في عرض الطريق، فنضحك جميعاً، ويرى بعضهم في التفسير أننا نضحك بسبب طفرة المشهد، ولشعورنا بالنجاة من الحادث، الضحك هو انتصار. يقول بو علي ياسين: إن الرجل لو سقط وانكسر، أو جُرح، لفزعنا إلى نجدته وطلب الإسعاف له، فالدم يعطل الطرافة، وهو نذير شؤم. الكوميديا والتراجيديا جاران، بينهما برزخ لا يبغيان، لكن يمكن تحطيم الجدار، وقد يؤخذ الجار بالجار، وكان عزيز نسين ماهراً في تحطيم هذا الجدار، وهو الذي قال في تشخيص كتابته الساخرة: حولتُ دموعي إلى ضحكات على وجوه العالم.

 لكن الدموع غير الدم.. في التراجيديا دماء، وهي غالباً ما تعطل بهجة الكوميديا، وحتى تنجو التراجيديا سباحةً في بحر الدم إلى ساحل الكوميديا، علينا أن نقنع الناس بأنّ الدماء التي نزفت من الملك أو من الشعب ما هي إلا مياه مصبوغة باللون الأحمر، أو أن القتلى إرهابيون، أو أن الشعب المقتول هم حاضنة لهم أو دروع بشرية، فقد أفتت إسرائيل بالتخلص من الدروع البشرية، وتأست بها دول عربية. يمكن التخلص من خمسين درعاً بشرياً في سبيل التخلص من إرهابي واحد. قد تتحول التراجيديا إلى كوميديا إذا قلنا بعد المذبحة "خلصت"، فهذا يرسل البشرى، ويَعِد بنهاية التراجيديا، أن نقنع الشعب بأن البلد بألف خير، ونعرض المسلسلات الكوميدية، ومسابقات الجمال، وأن يتحول المفتي إلى مهرج، وإذا تحول المفتي إلى مهرج في مذبحة فهذا يجعل المأساة ملهاة.

 ثمت أمثله كثيرة على الضحك في الجنازات المصرية، وفي المقابر، خذ فلم "الكيف"أو فلم "مقابر مفروشة للإيجار"، خذ فلم "جنة الشياطين" مثلاً، وهو فلم لم أستطرفه، وشعرت بغربة شديدة فيه، لسبب بسيط، هو أن قصة الفلم هي للبرازيلي جورجي أمادو، وهي قصة غير مصرية، ومخالفة للدين الإسلامي والتقاليد العربية، ومن المفارقات أن محمود حميدة ضحى ببعض أسنانه في سبيل إقناعنا بالفلم، ولو ضحى بفكيه ما هو ببالغ غايته.

التراجيديا الشكسبيرية ليست جنازة شخص من عامة الشعب، غالباً هي جنازة ملك، أو جنازة أمّة، أو هي حدث ينتهي بنهاية حزينة مأساوية. وحتى نقلب المأساة إلى ملهاة، ما علينا إلا أن نمضي إلى خصوم المقتول، وسنجد السعادة بالنهاية المأساوية، وقد نجدهم يوزعون السكاكر والفطائر في الضاحية. لقد كانت نهاية صدام حسين مأساوية، وقد سعد بها خصومه واشتفوا منه، وخلّدوه من غير أن يقصدوا. كانت نهاية مأساوية، لكنها سعيدة لخاتمة طاغية غسل بها بعضاً من طغيانه.

لوحة ليوناردو دافنشي، الموناليزا، ذات الابتسامة الحزينة، أكثر لوحة عالمية تعرضت إلى دغدغة أصابع الكوميديا، ورياح الضحك، ويسبقها تمثال الحرية في واشنطن، ويمكن ذكر بعض وضعيات مقترحة لتمثال الحرية التي رسمها رسامو الكرتون، أو توهموها.. خذ مثلاً: تمثال الحرية يرفع إصبعاً وسطى لزائري أمريكا، أو يرفع إشارة رابعة، أو يحمل قنبلة نووية.. لكننا نتحدث عن الدراما، الآن لنعمد إلى مشهد شهير من مسرحية يوليوس قيصر الشهيرة، مثالاً:

عبد الفتاح بروتوس، وحمدين صباحي، والبرادعي - وتأتأته عنصر كوميدي - قابلة للاستثمار المسرحي والتهريج، يتأمرون على يوليوس عيسى العياض، فيقتلونه قتلاً معنوياً حسدا من عند أنفسهم، وقد استثمر السيسي إعلام الحكومة في تدمير الرجل، فنكل به تنكيلا، وكانوا جميعاً ينفذون مؤامرة قذرة - واعذرونا على الصفة المبتذلة في الإعلام - ويأتمرون بإيعاز من الغرب، ممثلة بالحسناء السندريلا آشتون، موفدة الاتحاد الأوروبي، إلى برّاد مرسي، للاطمئنان على طعامه وميرته. وزيارة برّاد مرسي في السجن مشهد كوميدي، يؤكد علو حضارة الغرب، وقيم الثورة الفرنسية، والجبنة الفرنسية، وكان الغرب قد اطمأن على الشعب السوري، بعد أن أتلف سلاحه الكيماوي بصفقة عرضها بوتين، وضمن أنه سيموت تحت البراميل.

المهم: يُطعنُ يوليوس العياض بخمس وثلاثين طعنة، ثم يأتي عبد الفتاح بلوتوس، ويطعنه الطعنة السادسة والثلاثين، في الظهر طبعاً، فيلتفت يوليوس مرسي وقد بوغت، ويقول: حتى أنت يا حاج عبد الفتاح، ألم نصلِ سوياً جماعة؟ وكان عبد الفتاح بروتوس قد ظهرت له زبيبة من سجود السهو.

 المشهد مأساوي ودموي،  وكان مرسي أول رئيس منتخب منذ سبعة آلاف سنة، وفي زيارته إلى ألمانيا كان ينظر في ساعته، فسخر منه الإعلام  المصري، ثم رأينا عبد الفتاح بروتوس يزور إيطاليا، فرأينا رئيس الوزراء الإيطالي يعبث بهاتفه، والشاويش السيسي يهذي ويخطب. انتخب مرسي بالرغم من كل الدعوة المضادة.  وكان نوح فيلدمان، أستاذ القانون في هارفارد، قد  قال: الديمقراطية تعني أن الإسلام سيعود. رأينا هذا في كل التجارب الديمقراطية العربية، في مصر وفلسطين.

 سنضحك، وعبد الفتاح يقول، وهو يطعن مرسي بعد أن تمر جملته، على سلسلة من الفلاتر: فلتر الأمانة، فلتر الصدق، فلتر الإخلاص، ويقول: في ستين داهية.. جلد تخين.

 وقد يجد المصريون جملاً أكثر طرافة، فهم معلمو الخليقة في فن الكوميديا، ثم يحولون جلد يوليوس العياض إلى سجادة يمشي عليها السيسي إلى قصر الشعب بسيارته.

 الغرب يحب المسرح، كما يحب المسلمون المسجد.  المسرح معبدهم، وهو الآن يخرج مسرحيات تراجيدية في سوريا ومصر، ويرسل لنا بعض الأطعمة الفاسدة، وبعض الكوندومات الواقية للتكاثر، وواقيات البعوض، ويمنح الجوائز لمثقفين منتخبين بالفلاتر الثلاثة. وقد بات المسرح السعودي التراجيدي مضحكاً أيضاً.. خذ مشهد إخراج ولي العهد السعودي موبايلين من جيبه، كما يفعل السحرة في السيرك. ربما يُستحدث باب جديد في أبواب نوبل، مثل باب: جائزة نوبل لتحويل الإسلام إلى دين "دايت"، ويقال إننا سنرى قريباً إلى جانب صحيح البخاري ومسلم، صحيح ابن سلمان.

كشف مرسي عن طموحه: الخبز، السلاح، العلم، قال: بنات مصر هن بناتي. الخليجي كان متعوداً على لعب دور الخواجة السائح في مصر، وقد ضمنه بعد الانقلاب، فبات الجرسون هو الرئيس المصري، ويقدم هذه المرة، بدلاً من الشاي والشيشة والراقصة، جزراً مثل تيران وصنافير.. وسيناء.. وصلحه.

تعال نقترح أن عبد الفتاح برتوس يلعب شخصية أخرى، هي شخصية أنطونيو، ويخطب في الجموع المصرية، وقد فعل:

 في المسرحية، أنطونيو خطيب بارع، استطاع قلب المشهد لصالح الشرعية. ليكن أنطونيو هو عصام سلطان، تخيل معي أن هذه الشخصية الكبيرة في السجن، وفي السجن مسرحيات ترهيب وتخويف وتعطيش، أو لنتخيل أن الكتاتني هو أنطونيو، أو أن عميد البياطرة العرب، محمد بديع، صاحب قولة سلميتنا أقوى من الرصاص، هو أنطونيو..

تخيلوا أن يخرج مرسي من السجن، ويروي ما حدث.

 تعالوا نتخيل أن السيسي يلعب أكثر من دور في المسرحية: هو نبي، وفيلسوف، ومشير، وبلياتشو، فيخطب بفلاتره الثلاثة، وينشد فيقول: أنا متحوجش.. فيغير المشهد برمته وهو يتحدث عن الإرهاب المحتمل، ويدعو الشعب إلى دفع الفكة، والدول المجاورة إلى دفع أتاوة الرز. سيكون خطاب أنطونيو في المسرحية مقاطعاً من خطبه العظيمة التي غيّرت وجه مصر، فبات القفا هو الوجه، والوجه هو القفا، وآه يا قفا.

 في سوريا، الضحك صعب، المأساة أكبر من تحويلها إلى كوميديا. أنا أظن، مثل أكثر الناس، أن مصر هي قلب العالم الإسلامي، والغرب يخرج مسرحيتها.

 تعالوا نموت ضاحكين.

المسرح المعاصر ينفتح على وسائل الاتصال الحديثة

مجلة الفنون المسرحية

المسرح المعاصر ينفتح على وسائل الاتصال الحديثة
من خلال إحياء نصوص كلاسيكية أو تقديم أعمال جديدة تجذب جمهور الشباب


*د. رياض عصمت - الشرق الأوسط


الكلمات وحدها لا تصنع مسرحاً. المسرح لوحة متكاملة من الأداء الجسدي والصوتي مع الضوء والموسيقى والفن التشكيلي وسواها من عناصر تقنية حديثة، تتشكل في تكوينات درامية يبدعها تصور مخرج تجسيداً لخيال مؤلف. قد تصنع الكلمات دراما إذاعية، وفي أحسن الأحوال، تلفزيونية. لكن المسرح المعاصر اتجه تدريجياً في النصف الثاني من القرن العشرين إلى البحث عن لغته التعبيرية الخاصة والمتميزة عن السينما والتلفزيون، بل حتى عن المسرح بصورته التقليدية والتجارية، وهي لغة الجسد وتقنيات الفنون الحديثة. هل بدأ الأمر، يا ترى، مع مايرهولد والبايوميكانيك المستلهم من «الكوميديا دي لارتي»؟ أم تراه بدأ مع أدولف آبيا وتأثير النحت، أم من غوردن كريغ وتأثير الماريونيت؟ أتراه بدأ مع أروين بيسكاتور أم ماكس راينهارت، بحيث نسأل هل كان إدماج السينما في العروض المسرحية أبلغ أثراً أم إدماج السيرك؟ وهل كان الألماني برتولد برشت الرائد الأبرز والمنظر الأهم لتفاعل الفنون في المسرح المعاصر؟ في الواقع، يصعب تحديد الموجة من قطرات الماء. الأهم هو استمرار انسفاح الموجة على الصخر مرة تلو أخرى حتى تحفر أثراً.

البلدان الأكثر حفاوة بهذا الطراز من تداخل الفنون البصرية هي: وتشيكيا، وبولندا، وفرنسا، وألمانيا، والدنمارك، وهولندا، وبريطانيا، وروسيا والولايات المتحدة. منذ زمن طويل، اشتهرت براغ بطراز سمي «المسرح الأسود»، يعتمد على مؤدين يرتدون ثياباً سوداء، ويحركون أشياء مطلية بألوان فسفورية، هذا بالإضافة إلى استخدام التشيك الرائد لتقنية «سينيراما»، وهي إدماج مقاطع صورت سينمائياً مع أداء الممثلين الحي على خشبة المسرح. بدورها، كانت بولندا رائدة في تجارب لغة المسرح الممتزجة بالفن التشكيلي، خاصة مع تحول بعض الرسامين والمصممين إلى مخرجين، وفي طليعة هؤلاء غروتوفسكي ومسرحه الطقسي، كانتور ومسرحه البصري، توماشيفسكي ومسرحه الإيمائي الذي أبهر دمشق في أواخر الستينات، جوزيف شاينا والاستوديو الاختباري في وارسو، (وقد دعي إلى القاهرة في أواخر القرن الماضي، وشاهدت إحياءه لعرضه «ربليكا» عن الجحيم النازي على مسرح «الهناجر» في دار الأوبرا المصرية) في ألمانيا، تألق في برلين في القرن الماضي المخرج بيتر شتاين، ومن بعده في القرن الحادي والعشرين المخرج توماس أوسترماير، واستخدم الأخير منهما شاشة ضخمة تعرض لقطات مكبرة جداً لتعابير وجوه الممثلين في «هاملت» مع فرقة موسيقية تعزف بشكل حي على الخشبة موسيقى صاخبة Heavy Metal.

كان من أوائل المخرجين المجددين في فرنسا منذ أواخر الخمسينات المخرج روجيه بلانشون في مدينة ليون، متأثراً بنظريات برشت، فأخرج من نصوصه «خوف وبؤس في الرايخ الثالث»، و«شفايك» و«المرأة الطيبة من ستشوان»، كما استخدم بلانشون السينما في مسرحية شكسبير التاريخية «هنري الرابع»، فضلاً عن تجديده في إخراج مسرحية موليير «جورج داندان». في زمن لاحق، ظهرت في المسرح الفرنسي تجارب ملهمة لمخرجين طليعيين مثل أريان مينوشكين وفرقتها «مسرح الشمس»، وكذلك إخراجات باتريس شيرو المبهرة بصرياً. كما تألق المخرجون الزائرون من بلجيكا مثل يان فابر، الذي حضرت له عرضاً أثار ضجة كبرى في مهرجان «أفينيون» الفرنسي، وحمل عنوان «أنا الدم». مؤخراً، لفتت إخراجات البلجيكي إيفو فان هوفه الأنظار في لندن ونيويورك وأمستردام، خاصة مقاربته الكلاسيكيات بأسلوب فذٍ ومبتكر، منها مزجه لعدة مسرحيات شكسبيرية في Kings of War وRoman Tragedies إلى مقاربته لمسرحية آرثر ميلر «منظر من الجسر»، سواء في مسرح «ينغ فيك» في لندن، أو مسرح «غودمان» في شيكاغو.

بدأت آثار تداخل الفنون تنال حفاوة في لندن على نحو متأخر نسبياً. بدأ تريفور نن بذلك في بعض عروض الميوزيكال في القرن الحادي والعشرين، رغم أنه جاء إليها من خبرة طويلة في إخراج أعمال شكسبير، وإن كان التجديد مع الشكسبيريات أمرٌ مألوف وقديم العهد في «فرقة شكسبير الملكية» و«المسرح القومي» عند عدة مخرجين آخرين استخدم بعضهم أحيانا وسائل التقنية المتقدمة. اليوم، يتألق المخرج والممثل البريطاني المعروف سيمون ماكبارني في تطوير مسرح الجسد مع فرقته ذائعة الصيت «كومبليستيه» في لندن. كذلك لمعت المخرجة كيتي ميتشل بإخراجاتها في بريطانيا وألمانيا. لمعت أيضاً فرقة «1927» في لندن بطابعها التجريبي الذي يستخدم وسائل الاتصال المتعددة، كما في عرضها الشهير Golem. برزت أيضاً فرقة Frantic Assembly من الويلز، وهي تمزج بين المسرح الجسدي والموسيقى الحديثة، كما في عرض Beautiful Burnout وCurious Incident of the dog in the Nighttime بحيث انتقل العرض الأخير إلى أحد مسارح لندن، وحظي بجوائز.

في الدنمارك، يتصدر حركة المسرح الطليعي المخرج الإيطالي الشهير يوجينيو باربا، الذي يدير منذ سنوات «مسرح أودين» في مدينة هولتسبرو، ويقوم بجولات عالمية في مختلف أصقاع الأرض. أخرج باربا مسرحية «هاملت» في قلعة «ألسينور» نفسها التي جعلها شكسبير موضعاً لأحداث قصة الأمير الدنماركي الذي يخطط للإطاحة بعمه المستبد وقاتل أبيه غيلةً وغدراً محتلاً عرشه ومقترناً بزوجته. زار باربا سوريا وقدم ثلاثة عروض مونودراما من إخراجه، وأجريت معه آنذاك لقاءً تلفزيونياً مطولاً.

شهد المسرح الروسي انقلاباً جذرياً، وتغير رفضه المتشدد لأي تيار مجدد ومجرب خارج إطار واقعية ستانسلافسكي واضطهاد السلطات آنذاك لمايرهولد بسبب أسلوبه التجريبي، وتهميش تجارب تاييروف، إلى القبول بالتجريب الذي كان من المحرمات في الربع الأول من القرن العشرين. تعرض حتى ستانسلافسكي نفسه في أواخر حياته، وكذلك فاختانكوف، إلى الضغط كي لا ينحرفا عن المنهج الواقعي ويقاربا تجارب الشكل الجديد. منذ مطلع السبعينات تقريباً، رُدَّ الاعتبار إلى مايرهولد، واحتفي بأساليب مسرحية متنوعة في الاتحاد السوفياتي والجمهوريات التابعة له آنذاك. في مقدمة الأسماء اللامعة التي تألقت عالمياً يوري لوبيموف ومسرحه الشهير «تاغانكا» في موسكو، وبالأخص إخراجاته التي شاهدتها لعروض «عشرة أيام هزت العالم» و«طرطوف»، وما سمعت من الصديق الراحل فواز الساجر عن مقاربته المبدعة لمسرحية «هاملت». اشتهر عالمياً أيضاً الجورجي روبرت ستوروا بإخراجه لمسرحيتي شكسبير «ريتشارد الثالث» و«الملك لير»، وقد حضرت الثانية منهما في موسكو. كما اشتهر نيكروشوس بإخراجه المجدد لمسرحية تشيخوف «الخال فانيا»، التي أعجبت بها أيما إعجاب. في القرن الحادي والعشرين، ظهرت عروض المخرج ذي الأصل الليثواني ريماس توميناس ذات الطابع التجريبي، وفي طليعتها «الخال فانيا» و«يوجين أونيغن». كما لمع نجم المخرج التجريبي ديمتري كريموف في القرن الحادي والعشرين، وبالأخص عرضه التجريبي اللامع تشكيلياً «شيطان، نظرة من الأعلى» Demon، View from Above.

تملك الولايات المتحدة زخماً قوياً في المسرح التجريبي منذ ستينات القرن الماضي، وبالأخص جوليان بِك وجوديث مالينا في «المسرح الحي». كما نذكر من بين الفرق التجريبية الرائدة «فرقة سان فرانسيسكو الإيمائية» لمؤسسها المخرج المتأثر ببرشت ر. ج. ديفيز. اكتسبت الكثير من هذه الفرق شهرتها من معارضتها السياسية لحرب فيتنام، ومن جولاتها المظفرة في العواصم الأوروبية. عندما عملت في أواخر الثمانينات مساعداً للمخرج الطليعي الراحل جوزيف تشيكن، شاهدت في منزله فيديوهات عن عروضه الرائدة حين أسس وأدار فرقة «المسرح المفتوح». في أواخر الثمانينات أيضاً، شاهدت عرضاً مذهلاً في سان فرانسيسكو لرائد المسرح التشكيلي / البصري الأميركي جورج كوتس، وكان مذهلاً في جمالياته وابتكاره في الاستفادة من التقنيات الحديثة. حالياً، تقدم المخرجة كاثرين سوليفان في شيكاغو عروضاً من هذا الطراز، تستخدم فيها وسائل الاتصال الجماهيري multi - media كأدوات تعبير، وهي نموذج لتجارب متعددة أخرى كثيرة، وبالأخص في نيويورك.

ختاماً، نكرر القول: إن المسرح ليس كلمات فحسب، وإنما فرجة بصرية تتداخل فيها عناصر الأداء الجسدي ورسم الحركة مع الموسيقى والضوء والتشكيل لخلق تعبير يهدف إلى التأثير في عاطفة وعقل متفرج ملَّ من الأساليب التقليدية، وصار يطمح إلى أسلوب جديد يهز مشاعره ويحفر أثره عميقاً في الوجدان. إنه التطهير الذي ينشده المسرحي المعاصر بانفتاحه على استخدام تقنيات وسائل الاتصال الحديثة ضمن العرض المسرحي الحي وهو يقوم بإحياء نصوص كلاسيكية أو تقديم نصوص جديدة تجذب جمهور الشباب خاصة إلى ارتياد المسارح.

* مخرج وكاتب مسرحي سوري مقيم في الولايا

الاثنين، 30 أكتوبر، 2017

صباح الأنباري وأعماله الكاملة

مجلة الفنون المسرحية

صباح الأنباري وأعماله الكاملة

د. أسماء غريب

(1)
لماذا الأعمال الكاملة؟أيُّ سرٍّ هذا الّذي يُحَفِّزُ العديدَ مِنَ الأدباء عَلى التّفكير في لحظةٍ مُعيّنة مِن حياتِهم، بإصدارِ "أعمالهم الكاملة" في مُجلّد أو مجلّدات عدّة، يجمعُون فيها كلّ ما ألَّفُوه طيلةَ حياتهم الفكريّة؟! هلْ في هذا الأمرِ إعلان عنْ قرب النّهاية؟ أو اعتراف ضمنيّ بأهمّية ما تمَّ تقديمُه مِن عملٍ يُعتَقَدُ في أحقّيتِهِ بالجمعِ والتوثيقِ ليَنْتَفِعَ بهِ ومنهُ الآخرون؟ وماذا عن موقف دُورِ النّشر في هذه القضيّة؟ أو بعبارة أخرى؛ ما الّذي يدفعُ بناشر مَا إلى خوض هذه التجربة، والمغامرة بالنّشر لكاتبٍ قرّر أن يجمعَ أعمالَهُ في زمن قلّ فيه إقبالُ القرّاءِ والنّقّادِ على الكِتاب والكُتّاب والأدباء بشكلٍ عامّ؟! 
لا أحدَ غير مَنْ يعملُ في مجال الكتابة ويعرفُ دهاليزَها الشّائكة، ويَخْبِرُ معاناة الأدباء والنّاشرين معاً، يُمْكِنُهُ أنْ يجيبَ عن هذه التساؤلات بكلٍّ حيادية وتوازنٍ ورصانةٍ، وعليهِ أقولُ: إنّ الّذي عادةً ما يُشَجِّعُ كاتباً مَا على نشرِ أعماله الكاملة ليسَ فقط الإحساس الذّاتيّ أو الشخصّيّ بأهمّية ما تمَّ تقديمُه خلال سنوات العمر الماضية، وإنّما هُو الاعترافُ الجمعيّ والغيْريّ بمَا لهذه الأعمال نفسها من قيمة أدبيّة وعلميّة عالية، وهو الأمرُ الذي لا يمكنُ الأخذ به في غياب عنصر التراكم الكمّيّ والكيفيّ، والذي أعني به مجموعَ ما تراكَمَ من موادّ ونصوص وكُتُبٍ فَرَضَتْ ليس على الكاتبِ وحده وإنّما على النّاشر والنّاقد والمهتمّين مِن الأساتذة الأكاديميين وغيرهم من ذوي الخبرة الاعترافَ الصّريحَ أو الضّمنيّ بأهمّية تجربة كاتب ما سواءً كانَ شاعراً، أو روائياً أو مؤرّخاً أو مسرحيّاً وهلمّ جرّاً، وبأحقّيَتِهِ أكثر من غيره بأنْ تُوثَّقَ أعمالُه وتُجْمَعَ في مجلّدات تُجَنِّسُ لما يُسَمّى بـ (الأعمال الكاملة).
وبما أنّني بصدد تناوُلِ تجربة الأديب المسرحيّ صباح الأنباريّ، أقولُ إنَّ صاحبَ كتابِ (المجموعة المسرحية الكاملة) الذي صدرَ مؤخّراً الجزءُ الأول منه (1)، قد تحقّقَ في مسيرتِه الإبداعيّةِ عُنْصرُ التّراكُم بامتياز، إضافة إلى عُنصرَيْ التّجديدِ والخصوصيّة اللذان يُشَكّلان ركيزة مُهمّة يعتمدُ عليها النّقدة والبحّاثة وكذا النّاشرون ليُقرّوا مدى أحقّية أديب ما في جمع نتاجاته بين دفّتيْ مُجلّدٍ أو مجلّديْن أو ربّما أكثر.
وأمّا عُنصر التّراكُم عند الأنباري فتؤكّدُه إصداراتُه التي تجمّعت على امتداد السّبعِ عشرة سنوات الأولى منَ القرن الواحد والعشرين، انطلاقاً من (طقوس صامتة) ووصولاً إلى (مذكّرات مونودرامية) (2)، إضافة إلى العديد منَ المقالات التي كتبَها في مجال المسرح والنّقد المسرحيّ والتي تتجاوزُ الخمسين مقالةً نُشِرتْ في العديدِ مِن الجرائد والمجلّات كـ (الموقف الثقافي)، و(العرب العالمية)، وجريدة (الحياة)، و(طريق الشّعب)، و(المدى)، و(الزمان) و(التآخي)، ومجلة (دجلة)، وغيرها منَ المنابر الثقافيّة والإعلاميّة، دون نسيانِ المسرحيـّاتِ التـي أخرجَها للخشبة ضمنَ أنشطة (فرقة مسرح بعقوبة) كمثلِ مسرحية علي سالم (بهلوان آخر زمان)، ومسرحية (المفتاح) ليوسف العاني، ثم مسرحية (قضيـّة ظـلّ الحمـار) لفردريش دورنمات.
كما لا يفوتني أنْ أسجّلَ أنّ الأنباريّ حظيَ باهتمام العديد من النقاد والمتتبّعين الأكاديميّينَ لرحلتِه وتجربتهِ المسرحيّة والّذين بلغتْ كتاباتُهم عنهُ ما يفوق التّسعين مقالة، أذْكُرُ منهم على سبيل المثال لا الحصر كلّاً من تحسين كرمياني (3)، ود. فاضل عبود التميمي (4)، ود. فائق مصطفى، ود. إبراهيم علي محمود، وسعد محمد رحيم (5)، ثم علي مزاحم عبّاس (6) وشاكر مجيد سيفو وبلاسم إبراهيم الضاحي (7)، وكذا محيي الدّين زنكنة (8). ويضافُ إلى هذا العديد من اللقاءات الصحفيّة التي أجْرِيَتْ معه، ونُشِرتْ على صفحات العديد من الجرائد داخل أو خارج العراق (9).
أمّا لمنْ يسألُ عنْ عُنْصُرَي التّجديدِ والخصوصيّة في التجربة الأنباريّة، فالمرادُ بهما نجاحُ الأنباريّ في تجنيسٍ جديدٍ بمجالِ الكتابة المسرحيّة بطريقةٍ حوّلَ معها وبهَا النصَّ الصامتَ مِنْ سيناريو متخصِّصٍ فنّيّاً وتقنيّاً بخشبة المسرح إلى نصٍّ مقروء منَ الناحية الأدبيّة، وذلك لخبرة الأنباريّ الطويلة في مجال المسرح الصّامت الذي هو بالنسبة له فنٌّ بصريٌّ يشتغلُ على الصّورة التي يُحَرّكُها الفعلُ والرّغبة والهدفُ بغرض تشكيلٍ معنى مُعيّن يكونُ قادراً على التجسُّد في هيئة نصّ مُدَوّنٍ على الورق، أو عرضٍ فوق خشبةِ المسرح، وهذا ما جعل الأنباريّ يحظى بهذه الخصوصيّة التي تُمَيّزُه عنْ غيره من رواد المسرح العربيّ لأنهُ يُعَدُّ أوّلَ مَنْ أسّسَ صرحَ أدبيّات المسرحيّة الصّامتة، على الرغم مِنْ ما في كتابةِ النصّ المسرحيّ الصّامتِ مِن صعوباتٍ قدْ تجعَلُ في الكثيرِ مِنَ الأحيانِ مهمّةَ الإبداعِ والتميُّزِ في هذا الجنسِ الأدبيّ الجديدِ أمراً مستحيلاً، لا سيما إذا كانَ الكاتبُ غيْرَ مُتَمَرّسٍ في العمل الإخراجيّ المسرحيّ، ولا خبرة لديه فيه، وذلكَ لأنّ كتابةَ النصِّ الصّامت تقتضي بالأساس معرفةَ شروط وقواعد الخشبة والتّمثيلِ معرفةً دقيقةً، تُكَمِّلُ ما يكونُ قد تراكَم عند الكاتبِ عبر السنوات منْ ثقافةٍ مسرحيّة شاملة وعالميّة تكونُ تطبيقيّةً أكثر منها نظريّة، حتّى يستطيعَ اللّعبَ بمرونة على حبلِ الخيالِ والابتكار الجديدِ المُتجدّد والمُتحرّرِ مِنْ ربقات التناصّ المسرحيّ الذي غالباً ما يجرُّ رجلَ المسرحِ إلى اجترار ما سبقَ أنْ كتبَهُ الآخرون، أو استلهام النّصوصِ مِن تجارب أخرى عالميّة كانت أو وطنيّة أو محليّة. وكلّ هذا يعني أنّ صباح الأنباريّ قد نجحَ بخبرته العميقة ليس فقط في تجنيسِ المسرحيّة الصّامتة وإنّما في إيجاد لغة إنسانيّة عالميّة مُشْتَرَكَةٍ للتثاقُفِ والحوار البنّاء وتبادل الخبرات دون الحاجة إلى التّرجمة، لأنّ هذا النوعَ من الإبداع أثبتَ مع الأنباري، أنه الأقدَرُ على تمكينِ الإنسانِ من التواصل مباشرةً مع أخيه الإنسان كيفما كانت لغته، وديانته واعتقاده، كما الرياضيات والموسيقى بالضّبط، التي هي لغة السّماء.
(2)
الطّريق إلى الأعمال الكاملة

قد يبدو لمُتَتَبّعي إصدارات صباح الأنباري في مجال المسرح الصّامت، أنَّ البدايات كانت منذ سبع عشرة سنة فقط، أيْ حينما أصدرَ سنة 2000 (طقوس صامتة)، في حين تقولُ لائحة الجرد البيبليوغرافيّ لأعماله المسرحيّة الصّامت منها أو الصّائت، إنّ نقطة الانطلاق الحقَّة كانت سنة 1974، أيْ حينما أخرجَ مسرحية (بهلوان آخر زمان) التي ألّفها علي سالم، وأعدّها عبد الخالق جودت، وقدّمتها فرقة مسرح بعقوبة، لكن هل حقّاً تُسَجَّلُ بدايات المُبدع معَ أوّل عملٍ يُقَدِّمُهُ أو يُصْدِرُهُ؟ أعتقدُ أنّ الأمر فيه حيف وظلم ما بعده ظلم، فالبدايات لا تسجِّلُهَا الأوراقُ والكتبُ فقط، ولا العروضُ ما دمنا بالآداب المسرحيّة منشغلين في مقالتنا هذه، وإنّما تُسَجِّلُهَا الأماكنُ، والتّجَاربُ المعيشة فيها ومن خلالها منذ أن يرى المبدعُ النّورَ إلى آخر يوم في حياته الدنيويّة، وقَوْلِي هذا يُشَرِّعُ لي سؤالي الجديد عن دوْر الأماكنِ في حياة صباح الأنباري، والبدايةُ ستكونُ من بعقوبة.
وُلدَ صباح الأنباريّ حسبَ ما هو مسجّل في الوثائق الرسميّة في مدينة بعقوبة عام 1954، لكن حسبَ ذاكرة والِدِهِ فإنّ الولادة الحقّة كانت عام 1952. وبعقوبة هذه تقعُ على نهر ديالي المرتبطِ بنهر دجلة في جنوب محافظة بغداد، ويصبُّ فيه نهر الوند قربَ مدينة جلولاء، كما يحتضنُ بحيرتيْن ذواتا جمالٍ خلّاب هما حمرين ودربنديخان في محافظة السليمانية. ومن تعدُّدِ هذه الأنهار وروافدِها وبحيراتها وُلدَ اسم المدينة الثاني لبعقوبة والذي يعشقُ صباح الأنباري على وجه التّحديد أن يناديها بـهِ، وهو (مدينة البرتقال)، وقد يعترضُ بعضُ القرّاء على قولي هذا مؤكّدين أن كلّ أهل العراق يحبّونَ مناداة المدينة بهذا الاسم وليس الأنباريّ فقط، إلّا أنّني أنظرُ إلى الأمر بعين داخليّة لا تتحدَّثُ سوى بحرفِ الاندهاش المصحوب بسحريّة الجمال ورهافة الحسّ، فأنا لستُ منَ العراق كي أرى ما يراه عمومُ النّاس من هذا البلد الأثير، وإنّما مِن مغرب جبال الأطلس وأنهار أمّ الربيع ودرعة وتانسيفت، وكلّ ما يصلُنِي من بلاد الرّافدين هو جديد عليّ وعتيق في الوقت نفسه، وضاربٌ في جذور انتمائي الكونيّ لكوكبِ الرّوح وكنوزه الدّفينة، ألجُه بقلبي الطّفل وأقولُ بلسانه ما لم يقله غيري من قبل، ولذا، فإنني أرى أنّ اسم (مدينة البرتقال) وهو يُتَهَجَّأُ حرفاً حرفاً في قلب وبين يدَي صباح الأنباري لهُ وقع خاصّ فيه منَ الجمال والسِّحْر ما يحتاج إلى التوقّف أكثر فأكثر عند هذه المدينة.
بعقوبة هي بيْتُ الصّبر والدّمع والجَلَد، وهي قبلَ هذا وذاك حوضُ الذّهب، وإذ أقول هذا فإنّي أعني الأرضَ الّتي ظهرتْ فوقها خيراتُ الله متجلّيةً في حقول البرتقال والليمون والرّمَان والنخيل، والزهر والورد الفوّاح، والنباتات العطريّة من ياسمين وميرمية وعطرشيّة أو ما يسميها البعضُ بنبتة اللقلقيّ النّفّاذ، ترمزُ كلُّهَا إلى الدّفء والمحبّة والوفاء والإخلاص، لأنّ أبناءَها، ولا سيما منهم أهلَ الحرفِ والتّقوى، استمَدّوا كلّ هذه الصّفات النبيلة من عطور نباتاتِ مدينتهم وألوان زهر النارنج فيها، وعرفوا باكراً أنّ سرّ السّعادة لا يكمنُ في الاعتناء بالفراشة وأجنحتها السّاحرة، وإنما في الاهتمام بالأرض والحقل والوفاء لهُما والدّفاع عنهما بكل تفانٍ ونُكْران للذّات، حتى تؤمّهُما بعد ذلك كلّ فراشات الكون، وتصبحُ الأرضُ وطنَ النّور والعشقِ المنبعث سحرُه في كلّ القلوب. وليس غريباً أن نجد الأنباريّ قد تعلّم من مدينته الكثير، لأنه نبتَ كما شجرة البرتقال فيها، ففاح أريجه وامتدَّ إلى أبعد بقاع الله في الأرض؛ استراليا حيث يقيمُ اليوم هو وأسرتُه الفاضلة الكريمة.
وشجرةُ البرتقال البعقوبيّة حاضرة في كلّ شيء خطّتهُ يداه، بدءاً من بداياته الشّعريّة إلى نصوصه المسرحيّة الصّامت منها والصائت (10) ومروراً بنصوصه في النّقد المسرحي والشعريّ، ولعلّ أكبر دليل على ما ذهبتُ إليه هو كتابُه (الرّسم والفوتوغراف في مدينة البرتقال) (11) والّذي ظهرتْ فيه بعقوبة بأبهى صورها عبر توثيق الأنباريّ لإبداعات رواد الرّسم والفوتوغراف فيها كالفنّان ناظم الجبوري، وسامي مسعد وأكرم الخزرجيّ وعدنان حسين مطر، وكذلك عبر تجلّيات جماليّة لا تجيدُ احتضانَها مدينة أخرى غير بعقوبة لأنّ لها منَ الأبناء مَن هُم وحدهم قادرون على مدّ جسور المحبّة انطلاقاً مِن مساحاتِ طبيعةِ مدينتهُم المفتوحة وفضاءاتها وحقولها وبساتينها اليانعة التي شربوا منها جميعاً إكسيرَ التمدّن والتحضّر والحوار والتآخي والتآلف مع الآخر (12) ليس فقط لأنّها قريبة من العاصمة بغداد وإنّما لأنّ حجرَ العشق والحكمة والفلسفة والعرفان كامنٌ فيها وهذا ما يبرّرُ تسميتي لها آنفاً بحوض الذّهب.
لكن ما الذي حدثَ لبعقوبة فيما بعد؟ من هشَّمَ قلبَها وأهرقَ دمعَها، وأحرقَ أشجارَهَا، وجفّفَ أنهَارَهَا؟ أينَ ذهبَ بياضُ القيمر وصفاؤه، وعطرُ الدولمة والبرياني والكباب في مطابخ البيوت البعقوبيّة الكريمة؟ بل أينهم البعقوبيّون البسطاء الّذين كانوا يتحلّقون حول المذياع لينصتوا بكلّ شغفٍ إلى مصطفى جواد وهو يطلُّ عليهم ببرنامجه الإذاعيّ اللغويّ الشيّقِ (قل ولا تقل)، وحول شاشة التلفزيون العتيقة ليتابعوا مؤيد البدري في برنامجه (الرياضة في أسبوع)، ويستأنسوا بالمسرحياتِ والمسلسلات التي خلدت في الأذهان كمسلسل (تحت موس الحلاق) ضاحكين منْ أعماق القلوب من كلّ ما كان يقدّمُه سليم البصري (حجّي راضي) وحمودي الحارثي (عبّوسي) وهُما يعالجان قضيةَ محو الأميّة لا سيما في حلقات خاصّة أذْكُرُ منها حلقةَ (تلميذ مسائي)؟ أين ذهبَ كلّ هذا البهاء والجمال والسعادة؟ الجواب يوجدُ في أعمال صباح الكاملة: إنّها الحرب تلك التي كان يحاولُ والدهُ أن يُبْعِدَ شبحَها عنهُ وعن بقيّة إخوته، وهو الرجل الذي خبِر ويلات الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، ويعرفُ جيّدا ما تخلّفه الحروب كلّها بدون استثناء من دمار وخراب. لكن هيهات هيهات، فحروب بلاد الرافدين الكثيرة ابتلعتْ أهل الأنباري، ولم تتركْ له لا أبا ولا أخا ولا أمّا ولا أختا، وأذاقتهُ باكرا مرارة السّلب والحرمان والموتِ الخاطف الغادر، فأصبحَ مثله مثلَ العديد مِنَ البعقوبيين شجرةَ برتقالٍ قُطِعَتْ أوصالُهَا، ونُسِفَتْ أوراقُهَا وغُيّبَتْ شمسُها عن المدينة، ولم يبقَ أمامها سوى أن تحمل ما تبقّى مِن جذعها المُقاوِم لأوار الحقد والكراهية والتعصّب الطّائفي لتذهبَ وتغرسَه في أرض أخرى لا حربَ فيها علَّ الجذعَ يُنْبِتُ أغصاناً جديدةً تورِقُ زهراً عَطِراً وفاكهةً تسرُّ النّاظرينَ، لتحتفظَ مِن خلالها على صِلَتِها بنهر الحكمة الأمّ، وتعيدَ الحياةَ إلى حوض الذّهب ومكنوناته البهيّة.




(3)
في حضرة اليمامة والقمرية

في أرضِ المهجر (أديلايد) اختمرتْ ونضجتْ فكرةُ جمع كلّ ما أنتجَه صباح الأنباري خلال مسيرته الإبداعيّة في مجموعة شاملة هي (المجموعة المسرحية الكاملة)، وعبر منشورات ضفاف اللبنانية وصلَ الجزء الأول إلى مناطق مختلفة منَ العالم منها مصر، أرض الفنون ورواد المسرح العربيّ الأوائل، هناكَ حيثُ وُزِّعتْ العديدُ مِنَ النّسَخِ على طلّاب الدراسات العليا بقسم المسرح في جامعة طنطا باعتبار أنَّ هذا الجزءَ قد أصبح مقرّرَهم الدراسيّ لهذه السنة الأكاديميّة الجارية، وجسراً للتواصلِ بينهم وبين صباح، وبينهم وبين الجامعات العربيّة من خلال أستاذهم الدكتور سيد علي إسماعيل (13).
يتكوّنُ الجزء الأول من (المجموعة المسرحية الكاملة) من فصليْن جامعيْن هُما (المسرحيات الصوامت وأسسها النظريّة والتطبيقية) و(نصوص المسرحيّات الصوامت) الذي يضمُّ ثلاثَ مجموعاتٍ جمَعَ الأنباريّ في الأولى منها كلّ الصوامت التي صدرتْ عام 2000 في كتابه (طقوس صامتة)، وأعادَ نشرها في (كتاب الصوامت) الذي صدرَ عام 2012. أمّا في المجموعة الثانية فجمعَ كلَّ الصوامت التي صدرت في (ارتحالات في ملكوت الصّمت) بدءاً من مسرحية (الالتحام في فضاءات الصّمت) وانتهاءً بـمسرحيّة (حجر من سجّيل) (14). وفي المجموعة الثالثة أدرجَ إحدى عشرة مسرحية، اثنتانِ منها سبقَ أنْ صَدَرَتَا في (كتاب الصوامت) (15) وهُما (قطار الموت) و(عندما يرقص الأطفال)، أمّا التّسعُ الباقيات فهي نصوص جديدة نُشِرَتْ واحدة منها ورقيّاً في جريدة (تاتو) (16) وثانية رقميّاً على موقع (بصرياثا) (17) وثالثة منها ورقيّاً أيضاً في مجلّة (الجديد) (18) أمّا المسرحيات الستّ الأخرى فنُشِرَتْ كلها ورقيّاً في جريدة (العالم) عام 2014، وهي المسرحيات التي سأختارُ من مجموعها كاملة (19) مسرحية لا غير، وأعني بها مسرحية (الهديل الّذي بدّد صمتَ اليمامة) (20)، وذلك لأنّي أعتبرُهَا أكثرَ النّصوص اختزالاً للمسار الأنباريّ كاملاً، ولأنّهُ يحكي عن بعقوبة وعن شيَم الوفاء والعفاف والكفاف والغنى عنِ النّاس التي تُمَيِّزُ هذا الأديب والتي تجلّتْ في إهداءاته سواءً منها التي افتتحَ بها (المجموعة المسرحيّة الكاملة) أو تلك التي تصدّرتْ (كتاب الصوامت) أو نصّ المسرحية ذاته، وهي الإهداءات التي سأجردها كما يلي:
- في المجموعة المسرحيّة الكاملة:
((إلى الّتي لا أزال على قيد محبّتها، وإلى أبنائي... وصمتي المناهض للتهريج، والضجيج، والثرثرة العالمية)) (21)؛
- في كتاب الصوامت:
((إلى الّتي طوّقتْ بهديلها الشجيّ صمتَ انتظاري الطّويل، وفرشت ظلّ جناحها الوارف على ملكوتي الدّرامي، إلى زوجتي لول (كما يحلو لي أن أسمّيها)، أهدي هذا السّفر من الصّوامت)) (22)؛
- في مطلع مسرحية ((الهديل الّذي بدّد صمت اليمامة):
((إلى اللائي انتظرن عودة يمامهن طويلاً. وإلى زوجتي مع خالص الهديل)) (23).
الجميل في هذه الإهداءات التي تفيضُ محبّة وإخلاصاً وسمواً واحتراماً لشريكة العمر والحياة هوَ حرصُ صباح الأنباري الشّديد على الدقة في اختيار الكلمات ومعانيها، فهو لمْ يستخدم كلمة (الحمام) مثلاً، وإن كانت تدلّ على معاني لطيفة ساميةً أهمّها السلام والاطمئنان الرّوحيّ، ولكنّه انتقى مصطلحَ (اليمام) ليخاطبَ زوجتَهُ والقرّاءَ من خلالها داعين إياهم للتعمّق في فحوى نصوصه، وذلك لسعة وغزارة ثقافة هذا الأديب ومعرفتهِ للفرق بين كلا النّوعين من الطّيور، وهذا ما يؤكّده جمعه بين اليمام والهديل والصّمتِ، ليلخّص المعنى الحقيقيّ لمسرحياتهِ الصّامتة.
اليمامُ في عرف المختصّين بعلم الطيور (Ornithology) أشدّ وفاء وإخلاصاً من الحمام، وأكثر حبّا للحريّة، لذا، فإنّه منَ الصّعب جدّا قنصُه، إضافة إلى أنه لا يطيق أن يستسلم للإنسان ليروّضَهُ على العيش حبيسا بين الجدران، وإذا حدثَ وحُبِس فإنه لا يفرّخ إلا نادراً، وإذا أفلت من سجنه فإنه لا يعود إليه أبداً، ويحبّ الهجرةَ كثيراً بحثاً عن أوطان أكثر أماناً واستقراراً، وإذا عشقَ كثُر هديل ذُكْرانِه.
وفي اللغة العربية لا يوجدُ مذكّر مصطلح "اليمام"، إذ اليمامة كما الحمامة والنملة والنحلة ونحو ذلك تطلقُ على الذكر والأنثى، فإن قصدوا التمييز بين الذّكَر والأنثى ميزوا بينهُما بوصف كأن يقولوا نحلة ذكر مثلا، أما اليمام فقد وضعوا لأنثاه اسماً خاصّاً بها هو القمرية. وبناء على هذا التمييز بين الجنسين فإني أجدُ نفسي بين يمامة وقمرية: يمامة هي صباح الأنباري وقمرية هي حبيبتُه (لول) كما يعشقُ أن يسمّيها، ولهذا فإنّ من يقرأ للأنباري بعينِ المحبّة لا بدّ سيجدُ زوجتَه وقمريتَهُ السّيدة لميعة الناشئ حاضرةً بشكل أو بآخر في كلّ نصوصهِ الصّامت منها والصّائت (24). وهكذا يصبحُ جليّا لماذا اختار نصّ (الصّمت الذي بدّد هديل اليمامة) وأهداهُ لها بكلّ تفانٍ ومحبّة، لأنهُمَا معاً معنيان أكثرَ من غيرهما بما عانته المرأةُ العراقية ومازالت من ويلات الحرب التي قصمتْ ظهرها، ورمّلتها، وتركتها عرضة لوحوش الغاب وللعزلة والحزن والقهر والاكتئاب. 
والحربُ في نصّ هذه المسرحية تُعَدُّ الحدثَ الرّئيس الذي تلتقِي حولهُ الشّخصياتُ (25) وتتفجّرُ عبره الصّراعات ولحظاتُ التوتُّر والتأزُّم لتضفيَ عليهم جميعاً حضوراً مسرحيّاً يشُدُّ بشكلٍ أكثرَ عمقاً بصرَ الجمهور، مخترِقاً فكرَهُ ووجدانَهُ، وواضعاً إيّاهُ أمامَ الوجهِ الحقيقيِّ للحرب، بالضّبط كما فعلت مارغريت ميتشل مِنْ خلال روايتها (ذهب مع الرّيح) التي كانت تقرأها من حين لآخر بطلةُ مسرحيّة الأنباريّ. 
ولمْ يكتفِ الأنباري بالحربِ كحدث قامَ بِمَسْرَحَتِهِ على الخشبة، وإنما كواقعةٍ للكشفِ النّفسيّ عبر تقنية العزل والانتقاء، والتي أعني بها ذاك المجهود الذي بذله الأنباريّ لينتقي من حدث الحرب عنصرا واحداً هو المرأة ليتمكّنَ منْ معالجة علاقتِها بتداعيات الحرب بشكلٍ مكثَّفٍ ومُخْتَزَلٍ حتّى يضمنَ سرعةَ وصول رسالته إلى الجمهور والتأثير المباشر فيه، دون المبالغة في الإثارة العصبيّة للمُشاهد كيْ لا يصرفَه عن الالتفات إلى المعاني الإنسانيّة والمظاهر الفنيّة في المسرحية من رسم للشخصيات، وبناء فنّيّ متكامل لها، وإضاءةٍ وأصوات وما إليها.
وفي مقابل حدث الحربِ، يَظهرُ في هذه المسرحية حدث آخر لا يقلُّ أهمّية عن الحدث الأول، وأعني به الدّعوةَ إلى السّلام والوئام بين بني البشر من خلال عنصرٍ على قدر عالٍ من الرّقيّ والأناقة والوسامة الفنّية، وهو هديلُ اليمام، والذي ما هو في الحقيقة سوى هديل صباح الأنباريّ نفسه الموجّه للنّاس أجمعين، فهو الدّاعي إلى العفاف والمحبّة، وإلى الوفاء والسّلام عبر كلّ نصوصه القديم منها والجديد، السّلام الذي هو لغة الصّامتين، المُبتعدين عن ثرثرة العالم، وغباء وضجيج أهل الاستكبار والاستعلاء.
سيبقى الأنباريّ شاهداً على زمنه من خلال تجاربه الغنّية، ومسرحياته الصّامتة التي اخترقتْ حجب العوالم، وأدخلتِ القارئَ والمتفرّجَ على حدّ سواء إلى حضرة البَصَر والبصيرة ليعثُرَ فيها كلّ واحد على يمامته أو قمريته، ويهدلَ معهُ أو معها أنشودة السّلام الأبديّ، لذا فإنّي أقولُ ختاماً: لا تصدّقوا هذا الهرمَ إذا ما أصدر أعمالَه الكاملة مُعلناً ختامَ المشوار المسرحيّ، لأنّه بكلّ اختصار، رجلُ الورشات الكبيرة المفتوحة إلى ما لا نهاية، وما زال في جعبتهِ الكثير، ونصُّهُ الصّامت الأكبر والأهمّ مازال في الطّريق، فانتظروه، وانتظروا هذه اليمامة ذات الهديل السّاحرِ الشجيّ.

الهوامش:
(1) صباح الأنباريّ، المجموعة المسرحية الكاملة (ج1)، ط1،  منشورات ضفاف، لبنان، 2017.
(2) - طقوس صامتة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000؛
- ليلة انفلاق الزمن، اتحاد الكتاب العرب – دمشق، 2001؛
- البناء الدرامي في مسرح محيي الدين زنكنة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2002؛
- ارتحالات في ملكوت الصمت، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2004؛
- المخيلة الخلاقة في تجربة محيي الدين زنكنة الإبداعية، منشورات مجلة بيفين، السليمانية، 2009؛
- المقروء والمنظور... تجارب إبداعية محدثة في المسرح العراقي، دار سردم للطباعة والنّشر- السليمانية، 2010؛
- المكان ودلالته الجمالية في شعر شيركو بيكس، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، 2011؛
- قاسم مطرود في مرايا النقد المسرحي، دار نون للنشر والإعلام، القاهرة، 2011
- تجليات السرد وجمالياته في قصص محيي الدين زنكنة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2011؛
- كتاب الصوامت، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2012؛
- التأصيل والتجريب في مسرح عبد الفتاح قلعجي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2013؛ 
- محيي الدين زنكنة / الجبل الذي تفيأنا بظلاله الوارفة، منشورات مهرجان كلاويز السابع عشر، السليمانية، 2013؛
- شهوة النهايات / ثلاث مسرحيات عراقية صائتة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2013؛ 
- الرسم والفوتوغراف في مدينة البرتقال، قوس قزح للطباعة، كوبنهاكن الدينمارك، 2014؛
- إشكالية الغياب في حروفية أديب كمال الدين، دار ضفاف / بيروت، 2014؛ 
- مذكرات مونودرامية / نصوص مسرحية صامتة، دار ضفاف / بيروت، 2015.

(3) انظر كتاب الصوامت، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2012، ص 185.
(4) المصدر نفسه، ص 191.
(5) المصدر نفسه، ص 206.
(6) المصدر نفسه، صص 213-233.
(7) المصدر نفسه، صص 234-266.
(8) ألّف صباح الأنباري عن محيي الدّين زنكنه في النّقد المسرحيّ أربعة كتب هي:
- البناء الدرامي في مسرح محيي الدّين زنكنه، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، العراق، 2002؛
- المخيّلة الخلاقة في تجربة محيي الدّين زنكنة، منشورات مجلة به يفين (10)، 2009؛
- تجلّيات السرد وجمالياته في قصص محيي الدّين زنكنه، ط1، دار الشؤون الثقافية العامّة، 2011؛
- ثمّ محيي الدّين زنكنه، الجبل الذي تفيّنا بظلاله الوارفة، مطبعة دلير، من مطبوعات مهرجان كلاويز السّابع عشر، 2013.
(9) - صباح الأنباري يتحدث لـ (الزمان) عن المسرح الصامت، (الزمان)، لندن، 10/ 7/ 2009؛
- حوار مع الكاتب المسرحي والناقد صباح الأنباري، (الدستور)، العراق، 1/12/2003؛
- ثمّ صباح الأنباري بين هواجس الكتابة والتمثيل والإخراج، (أشنونا)، العراق، 20 / 10 /2001، وغيرها من العشرات من اللقاءات.
(10) انظر مسرحية (الهديل الذي بدّد صمت اليمامة) والتي ظهرت فيها بعقوبة من خلال الحمولة الرمزية العالية لكأسيْ عصير البرتقال الموضوعـتين فوق المنضدة التي تجلس إليها الشخصية الرئيسة: كتاب الصوامت، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2012، ص 101.
(11) الرسم والفوتوغراف في مدينة البرتقال، قوس قزح للطباعة، كوبنهاكن الدينمارك، 2014.
(12) انظر في هذا الإطار صورة الأنباري (داخل صالة التصوير) وهو يجلس على مقعد مرتفع في شهره السادس وإلى جانبه فتاة كردية تضع يدها البيضاء الكريمة على صدره الصغير بكلّ محبّة وحنان: (الصورة موجودة بموقعه الرسميّ، وتحمل رقم 54).
(13) يشهد العديد من رجال ورواد المسرح العراقي المعاصر للأستاذ د. سيد علي إسماعيل بما يبذله من جهود حثيثة بكلّ محبة وإخلاص من أجل إعلاء صرح هذا الفن والوصول به إلى أكبر عدد من الجمهور والمتتبعين منَ البحاثة والنّقدة، وأذكر له شخصيّاً بكلّ تقدير ومودة واحترام ماقام به تجاه مشروع (فوبوس وديموس) للمسرحيّ العراقي ميثم السّعدي حينما جعلهُ ضمن المنهج الدراسي لطلبته في قسم النقد بكلية الآداب (جامعة حلوان / جمهورية مصر العربية)، وأصبح أيضا معتمدا في امتحانات الجامعة السنوية، وهو المشروع ذاته الذي سبق أن ألّفتُ عنهُ كتاباً نقديّاً بعنوان (ميثم السعدي وثنائية العرض المسرحي)، وصدر في بغداد، عن مطبعة تنوير عام 2016.
(14) وهي موجودة أيضا في (كتاب الصوامت)، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2012، صص80-148.
(15) المصدر نفسه، صص 157-166.
(16) مسرحية (الموت بين يدي القصيدة) عدد تموز 2014.
(17) مسرحية (جرذان سود وشمس بيضاء)، آذار 2015.
(18) مسرحية (دولة السّيّد وحيد الأذن)، عدد جزيران 2016.
(19) يبلغ عدد المسرحيات المنشورة في هذا الجزء الأول من المجموعة المسرحية الكاملة خمساً وعشرين مسرحية.
(20) صباح الأنباري، (الهديل الذي بدّد صمت اليمامة) من المجموعة المسرحية الكاملة، منشورات ضفاف، بيروت، 2017، ص 115.
(21) المصدر نفسه، ص5.
(22) صباح الأنباري، كتاب الصوامت، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2012، ص 5.
(23) المصدر نفسه، ص 100، وفي المجموعة المسرحية الكاملة، ص 115.
(24) انظر على سبيل المثال لا الحصر: صباح الأنباري، ليلة انفلاق الزمن، اتحاد الكتاب العرب – دمشق، 2001، صص 8-28-29.
(25) امرأة في الثلاثين ورجل الظلّ ثمّ الرجال الثلاثة.



السبت، 28 أكتوبر، 2017

روجيه عساف الشاهد الملك على نهضة المسرح اللبناني

مجلة الفنون المسرحية

روجيه عساف الشاهد الملك على نهضة المسرح اللبناني

مدرسة المواطنة والحريّة 

بيار أبي صعب - الأخبار


كلّما عاد روجيه عسّاف إلى المسرح، مخرجاً أو ممثّلاً، أو الاثنين معاً، كانت العودة حدثاً بحدّ ذاتها، ومناسبة للاحتفال. نحتفل، حتّى قبل أن نشاهد العمل، والمعروف أنّ الأعمال الفنيّة التي تُنتَج اليوم في مدينة كبيروت، بإمكانيّات المدينة ومع ناسها، عرضة لكل المخاطر والأنواء والرياح. الفكرة هي أن تخيّم على مسرحنا قامة هذا «القديس»، أو «الوليّ الصالح»، مؤسس «مسرح الحكواتي»، وقد ازداد جلالاً وتعباً مع السنوات.

الفكرة أن صنّاع العصر الذهبي لبيروت، لم يغيبوا كلّهم، أو يصمتوا، أو يستسلموا، أو ينقلبوا على تاريخنا وذاكرتنا. نذهب الليلة إلى «الطيّونة» ونحن نقول لأنفسنا إن الدنيا بألف خير، رغم كلّ شيء. إن الأشياء ما زالت ممكنة في هذا الزمن العقيم، المشلّع. إن القيم التي كافح لارسائها روجيه منذ عقود عدّة، مع حفنة من النساء والرجال، ما زالت راهنة، ويمكن أن نتشاركها مع أهل الحاضرة… وإن المشروع الذي منحه عمره هذا المثقف العضوي الآتي من الفرنكوفونيّة ـــ تركة الاستعمار ـــ إلى قلب العروبة والاسلام، ومعارك التحرر، والإنتماء إلى الناس وذاكرتهم الجمعيّة، هذا المشروع ما زال قابلاً للاستمرار والتجدد والانتقال إلى الأجيال الجديدة.
هذا هو الرهان الأساس لدى روجيه عسّاف، ولعلّه يختصر كل مسيرته المسرحيّة. في اعتقادنا أن الجماليّات، والتقنيات، والأساليب والمدراس، والمشاغل الثقافيّة والادائيّة والدراميّة، تأتي بعد ذلك. المسرح هنا مدرسة المواطنة، ومختبر لمستقبل نهضوي، وبلد على مقاس أهله. المسرح العسّافي مكان «لقاء» الممثلين والممثلات، القادمين من كل الجهات والشرائح، ليتبادلوا الأحلام والأوجاع والمشاغل، ليحفروا معاً في اللاوعي أو في الحاضر وأسئلته، ويفكروا وينفعلوا ويبدعوا، ليستعيدوا ذواتهم الحقيقية المغيّبة في مدينة السماسرة والقتلة والخراب العظيم. كل السر في طريقة عمل روجيه مع ممثليه وممثلاته. في ما يقترحه عليهم ويطلبه منهم. الفن هنا لم يعد سلعة واستعراضاً، ولا تجربة ابداعيّة «مجّانيّة»، ولا خطاباً أسلوبياً وتسويقياً ستتنافس عليه مهرجانات الرجل الأبيض… الفن مشروع ولادة جديدة. والمسرح العسّافي أيضاً، هو أرضيّة التماس والتفاعل بين صنّاع العمل وجمهوره: هؤلاء الرجال والنساء الآتون للبحث عن ذواتهم، واستعادة صوتهم المصادَر، وهويّاتهم المهدورة. من تلك العلاقة تولد روح المسرحيّة!
كل هذا سنجده الليلة في «طروادة»، تجربة روجيه عسّاف الجديدة، مع باقة من الممثلين والممثلات الشباب. غرف المعلّم من معين المسرح الاغريقي، هو المنكب منذ سنوات على اعادة قراءة تاريخ المسرح العالمي، على طريقته كفنّان القطيعة مع الأنماط المهيمنة، ومن زاويته التحليليّة النقديّة (صدرت أجزاء من موسوعته بالعربيّة عن «دار الآداب»، والجزء الأوّل بالفرنسيّة عن L’Orient des livres). ليطلع بنص لبناني في الصميم، وعربي بامتياز. فلنذهب مع حصار طروادة «حتى نهايات العواصم» كما كتب محمود درويش في «أحمد الزعتر». المسرح مع روجيه، مدرسة المواطنة والحريّة.

الجمعة، 27 أكتوبر، 2017

التناضح التشكيلي بين اللوحة والكوريغرافيا

مجلة الفنون المسرحية

التناضح التشكيلي بين اللوحة والكوريغرافيا

ضحى عبد الرؤوف المل  - المدى 

تنوعت المفاهيم الكوريغرافية وتقاربت الرؤى الفنية مع بعضها البعض، فاختلفت التوظيفات التشكيلية في هذا المجال. إلا أن أهم ما جمع اللوحة مع الكوريغرافيا، هي العناصر المؤلفة لخصوصية التصميم النابع من ثقافات تشترك مع الفن والجمال والقدرة على التأليف المرن في التشكيل والرقص بمختلف تمظهراتهما، وفق تفاعلات بصرية مدروسة بدقة تتمثل بالمعنى المتجذر في الطقوس المرتبطة بالحركة والألوان، والفضاءات المفتوحة على تخيلات يتم تدوينها ودراستها وفق رسوم لخطى مدروسة موزعة على عدّة نقاط حركية تتشكل منها نوعاً من وسيلة تعبيرية موشومة بتشكيلات كوريغرافية قوية حسيّاً، وبما يكفي بصرياً لتكوين رؤية فنية متوازنة. لتكون ضمن نوتات تحمل طابعاً تعبيرياً تصويرياً وانطباعياً صارخاً، يتصف بدراما بصرية ذات علامات ادائية تتجانس معها الريشة والألوان التي تظهر خفايا وابعاد كوريغرافية تولد من وحي الامتزاج الحسّي عند الفنان، ويستطيع من حيث يتراءى له خلق فضاءات واسعة. لتوضيح الهدف بالإيماء والايحاء والحركة المبنية على التأثيرات البصرية، وما يتشكل من لوحات مستقلة يمكن لكل منها أن تكون موضوعاً للوحة يرسمها فنان بريشة كوريغرافية، تضم في طياتها المفاهيم العامّة للشكل الفني، ومميزاته التصميمية لخلق تنوعات في الاداء الحركي إن كان بالجسد المؤدي أو باللون وأطواله الموجية الذي يتخذ صفة درامية مقترنة بالفضاء التخيّلي. إن على خشبة مسرح أو على خامة اللوحة، كما في اوبرا "قصة الحي الغربي" التي تروي قصة "روميو وجوليت" على وقع ايقاعات لاتينية وموسيقى "ليونارد برينشتاين"، المخاطبة للحس والعقل، فالترجمة البصرية من خلال الكوريغرافيا وتنوعاتها المؤثرة على خلق التجانس الذي تتأثر بها الريشة والألوان المتلاحمة مع بعضها على مساحة محدودة، فينحصر المشهد وفق قياسات لها أطرها البصرية والجمالية النابعة ببساطة من مزاجية التصميم الكوريغرافي في التشكيل والمسرح وروحية الانتقال من حال الى حال كما في لوحات الفنان "جبر علوان"، ببعدها التشكيلي والكوريغرافي من حيث حركة الجسد في فضاء اللوحة، وما ينتج عنها من تجانس لوني أو ارتباط كلّي بالنقاط وتوزيعها على مساحة اللوحة. لتنطلق ألوانه وفق ايقاعات تجسد اهمية التصميم الكوريغرافي في الفن التشكيلي. اضافة الى التغيرات الهندسية والبصرية بحرفيتها المعقدة التي تشكل عدّة تحديات فاعلة في الكوريغرافيا المبتكرة للوحة . 
تتخطى الاشكال الكوريغرافية كل ما هو متوقع تشكيلياً، حتّى في الاسلوب التكعيبي كما في لوحة "بابلو بيكاسو" التي تمثل اعادة تركيب الانسان وفق رؤيته خاصة لوحات الرقص، لكن تبقى التسميات التشكيلية غير مفيدة في كشف الغموض الحقيقي الناتج عن تساؤلات لا يمكن استكشافها ما لم تتكاتف الخطوط المنحنية، الدائري اللولبي، والمائل ..إلخ. لأنها تشي بالوعي التقني المتدفق من الايقاع اللوني الداخلي، المتأثر به الفنان أو المصمم المنبهر بالمساحة، والتقسيمات المدروسة بين الفراغات المؤدية الى خلق الحرية للتعبير عن الحركة، بما يتناسب مع الرقصة الموسيقية أو اللونية، وبمهارات حسابية دقيقة، لكل مفردة ضوئية أو لونية أو نقطة ينتج عنها انعكاسات بصرية تؤدي دورها الفعّال على قماشة اللوحة أو على المسرح أو حتى عبر العدسة الفوتوغرافية" كما في مسرحية "دون كيخوت" ولوحات الفنان العراقي "جبر علوان" ليحاكي الظل الحركة، ويبقى الضوء لعبة الابيض المخفي لجمع الطاقة البصرية وفق حركة الضوء، وبرشاقة للإبقاء على دهشة العين وقوة التشكل الكوريغرافي في التصميم التشكيلي وقدرته على خلق جماليات ايحائية وغير مباشرة، تؤسس لتأثيرات ترتكز على ابعاد المساحة وتطويرها. لتستقطب الحواس وتفتح فضاءات التخيل على مصاريعها، فتتكيف اللوحة تبعاً للتاويلات والاستنتاجات التي تحملها ريشة الفنان وفق الكوريغرافيا ومنهج الصياغة، لرسم الرقصات النابعة من المنطق الكوريغرافي الذي بات يشكل الحقائق الجمالية وقوانينها التي تعزز قيمة التناضح التشكيلي بين اللوحة والكوريغرافيا وسحر الرقص المشبع بفهم الحركة، وبتفاعل شديد تتناضح من خلاله الحركة والألوان والضوء والظل والخط والشكل. لتتشكل بنية اللوحة من الكوريغرافيا وتضافرها البصري في خلق مضامين تشكيلية تتفرع عنها المفاهيم الفنية الأخرى. 
تتخطى الكوريغرافيا أبعاد المادة اللونية في اللوحة التشكيلية وتعبر مجال الفن وجوانبه المتعددة كالوحدات الحركية الصغيرة ، ومنها الى أنماط التكوين التي تنطوي على اهمية المكان والزمان، والنقاط المتصلة والمنفصلة. اذ تستند الريشة الى الاحساس الكلّي بمجموع الشخوص، والتفكر بالمسافات الفاصلة عبر الحركة ونشأة تعدد الأشكال على الخامة. لإبراز الاصول الشكلية في تشكيل تتناغم معه الحركة البصرية، وبتخيلات لإيقاعات الالوان وتعدد اصواتها في تزامن تنصهر معه الرؤية التي تنقلنا الى مساحة اللوحة . هذا الفن الكوريغرافي في التشكيل هو المنهج المكاني والزماني الذي تتكرر فيه المفردة الايقاعية للحركة في الشكل البصري والمكمل للمنهج الفني بكوريغرافيته وتشكيله، وتطوره ويدعونا إلى التفكر في فضاء الحركة والنمط التكويني الراقص في اللوحة.

المشاركة في المواقع الأجتماعية

تعريب © 2015 مجلة الفنون المسرحية قوالبنا للبلوجرالخيارات الثنائيةICOption